منذ ساعات الصباح بدأ يتجمع في معبر بيتونا مئات الأشخاص. يهتفون، فرحون، منفعلون، بعضهم أبناء عائلات السجناء، آخرون مجرد مواطنون جاؤوا للاحتفال مع السجناء المحررين. بجوار البوابة الصفراء المغلقة المؤدي إلى الطرف الإسرائيلي، يقف تندر مليء بالأعلام الصفراء لفتح وعليه مكبرات صوت تنشد للسجناء، وبالطبع لفتح. وأمامه كان تندر آخر، أكبر بقليل، محوط بالأعلام الخضراء لحماس، يطلق المرة تلو الأخرى أناشيد المجد للذراع العسكري للمنظمة.
الأخضر ينتصر
وعلى الرغم من المنافسة بين المنظمتين، كان واضحا من هو المنتصر الأكبر في الصفقة. مئات الفلسطينيين، معظمهم شباب، يلتفون بالأعلام وبالشالات الخضراء، يوضحون أن الحظوة على الصفقة يجب أن تعطى لحماس، وفقط لحماس، الشيخ حسن يوسف من قادة المنظمة في الضفة، يتجول بين المحتفلين، يهنئ العائلات ويهدئ الخواطر قليلا. في حديث مع «هآرتس» يروي ان جلعاد شاليط وصل لتوه إلى الطرف المصري، وبعد اقل من ساعة من السجناء، 96 في عددهم، سيجتازون البوابة الصفراء إلى الجانب الفلسطيني.
كانت هذه الساعة الكبرى للشيخ ولحماس. فبعد سنوات من الاختباء والامتناع عن كل مهرجان أو مظاهرة في الضفة، خرج أمس مؤيدو المنظمة بجموعهم إلى شوارع الضفة ــ وبالأساس إلى بيتونيا ــ للاحتفال بالإنجاز الكبير، وما اعتبرته حماس انتصارا. عن الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون لم يعد يتحدث احد هنا. فقط عن تحرير 1027 سجينا مقابل جلعاد شاليط.
ألحان الثورة
المرة تلو الأخرى يكررون هنا الشعار الجديد بلحن مشابه للحن الثورة في مصر: «الشعب يريد شاليط جديدا». وذلك إلى جانب أناشيد أقدم مثل «الله اكبر»، «حماس»، «قساميون قساميون». وغيرها. وقد لفوا أنفسهم بالأخضر وملؤوا معبر بيتونا بروح جديدة: أكثر تطرفا، تنذر بالشر.
عمر عجولي، من قرية كفين، وصل كيف يرافق عمه مجدي، رجل حماس، قبل بضع ساعات من تحرره من السجن. «5 آلاف سجين بقوا في السجون في إسرائيل و«المقاومة» ستستمر، حتى تحريرهم، كما يعد. مؤيدة أخرى من حماس، ماجدة سليمان، تقول إن هذا يوم عيد. «قبل كل شيء يوم عيد لحماس، وبعدها لكل الشعب الفلسطيني. حماس على رأسنا»، تقول، وتضيف: «نحن نحترم كل الفصائل، فتح أيضا ولكن حماس هي في قلوبنا».
رفيقتها، التي تقف إلى جانبها، ترفض قول اسمها. «نحن ملزمون أن نخطف المزيد من الجنود، إذ هكذا فقط سننجح في تحرير المزيد من السجناء»، تقول. «أنا أؤيد السلام، فلا تسئ الفهم، ولكني أعرف أن فقط من خلال الاختطاف سيتحرر السجناء». المتحدثة هي ابنة عائلة سجين قديم من حماس، حسن سلامة، هو أيضا بين المحررين ــ ليس حسن سلامة الذي سيبقى في السجن، بل آخر، اقل شهرة بقليل.
انتصار الإسلام
ناشط آخر من حماس، عبدالله، يسعى إلى الإيضاح للجمهور الإسرائيلي أن حماس لا تسعى إلى السلام. ولكن حسب قوله، إذا حررت إسرائيل كل السجناء، وانسحبت إلى حدود 67، وأعادت اللاجئين، وغيره، فعندها ستكون حماس مستعدة لدراسة ذلك. «هذه أرض إسلامية»، يقول. «اليهود جاؤوا من الخارج، وبالتالي يمكنهم أن يعيشوا هنا في ظل دولة إسلامية. بل يمكنهم أن يشتروا الأراضي كي يسكنوا فيها. افهم، المستقبل هو للإسلام. في كل الدول العربية، والآن في الغرب أيضا، يفهمون ذلك. والمكان الأول الذي يرتفع فيه الإسلام هو فلسطين. سجناؤنا تحرروا بالقوة، وإن شاء الله سنحرر المزيد بالقوة. أقترح على إسرائيل أن تقبل اقتراح حماس بالهدنة مقابل حدود 67، وإلا فإن إسرائيل ستخسر وتستسلم».
يشرح أحدهم لـ «هآرتس» أن «غزة دفعت ثمنا باهظا لقاء هذه الصفقة. ومنذ أكثر من سنة وحماس تدعي أنها لن توافق على تنفيذ الصفقة دون الرموز ومع عدد عال من المبعدين بهذا القدر. إذن لماذا وافقت الآن فقط بدلا من أن تعقد الصفقة قبل ذلك بكثير؟».
مؤيدو حماس لا يزالون يرقصون بنشوة. الجماهير تخرج للاستقبال الرسمي في المقاطعة، حيث كان استقبالا قصيرا نسبيا. فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والشيخ يوسف من حماس، يخطبان ويمتدحان السجناء إلى أن أعطيت الإشارة لإنهاء الاحتفالات وإعادة المدينة إلى حياتها الطبيعية. ومع ذلك لا يمكن السماح لحماس باستغلال زائد عن الحد لنجاحها.
مشاعر غريبة
على جبهة فتح، قرب الجدار الأصفر، تقف عائلة فخري البرغوثي، واحد من السجينين القديمين. الثاني هو ابن عمه، نائل البرغوثي. كلاهما سيتحرران بعد نحو ساعة، بعد نحو 33 سنة من السجن. هادي، ابن فخري، يرقص على سقف التندر مع ابنته ماجدة. وعلى حد قوله «شعوري مختلط»، منفعل جدا، أخي شادي بقي في السجن. وأنا أجد نفسي أمام شعور غير معروف، أن أعيش مع أبي. تربيت بدون أب. اليوم قلت لابنتي ماجدة إن جدها يتحرر بعد اكثر من 33 سنة، وستراه. سألتها إذا كانت تريد أن تذهب معي لاستقباله فقالت إنها تريد أن تراه بعد أن يحرره اليهود من السجن.
