إفراج بنيامين نتانياهو عن جلعاد شاليط لا يجعله زعيما وسيكون زعيما حينما يقوم بتنازلات من اجل تسوية سلام تعيش فيها إسرائيل في حدود آمنة. وسيأتي يوم يعرض فيه على نتانياهو السؤال التقليدي بأسلوب بلاتو شارون: «ماذا فعلت من أجل الدولة؟»، وسيفكر ويفكر، ويستطيع في النهاية أن يجيب: حررت جنديا مختطفا من أسره. اجل، جندي واحد.
إنجازات الآخرين
لو أنهم عرضوا هذا السؤال على دافيد بن غوريون لأجاب: أنشأت دولة إسرائيل، ولو انهم عرضوه على مناحيم بيغن لأجاب بأنه جاء بالسلام مع مصر. وكان اسحق رابين يجيب بأنه جاء بسلسلة اتفاقات سلام تشمل الاعتراف بمبدأ الدولتين في اتفاق اوسلو الذي وقع عليه في مراسم احتفالية على أعشاب البيت الأبيض.
وكان ارييل شارون ربما يجيب بأنه أول رئيس حكومة أخلى بالقوة مستوطنات غوش قطيف في غزة بأمل خزن «حلم أرض إسرائيل الكاملة». وكان ايهود باراك يستطيع أن يجيب بأنه فعل ما لم يتجرأ أحد من رؤساء الحكومة على فعله قبله وهو الخطوة الزعامية التي هي إخراج الجيش الإسرائيلي من لبنان ذات ليلة.أفرج رابين عن 1150 مخربا مقابل إعادة يوسف غروف وحزاي شاي ونسيم سالم في الصفقة السيئة الذكر، صفقة جبريل. قبل تنفيذ الصفقة بيوم تم في ديوانه لقاء مع «لجنة المحرِرين». وإذا لم أكن مخطئا فقد كان محرر صحيفة «هآرتس» غرشام شوكان هو الذي سأل هل يوجد بين المفرج عنهم من «توجد دماء على أيديهم».
وكان جواب رابين لا لبس فيه: لا. ليس واضحا حتى اليوم هل ضللنا على عمد أم لم يثبت للضغط ووافق في آخر لحظة على الإفراج عن كبار القتلة. بعد ذلك اعترف رابين بأنه ما كان يستطيع أن يثبت لنظرات مريام غروف وضغوطها. وعلى كل حال كشفت هذه الصفقة التي عصفت بالدولة عن نقطة ضعفنا. وفيما يتعلق بحماس: حينما رأت أنها لا تستطيع أن تتغلب علينا، حولت الاختطاف إلى سلاحها الذري.
عائلة شاليط
غير الموقع أدناه باعتباره جزءا من شعب إسرائيل كله، رأيه عدة مرات في قضية جلعاد شاليط. فقد كتبت ذات مرة «لا بكل ثمن» وكتبت أخرى «نعم بكل ثمن». لم تطارد هذه المعضلة الشعب فقط بل أحدثت مشكلة نهايتها معلومة سلفا. وليس مهما أن ينشئوا لجانا تقرر انه «من الآن فصاعدا» سيكون واحد مقابل واحد فقط ــ فلسنا على ثقة من أن هذه الدراما لن تتكرر. فإذا كانت الصفقة متفقا عليها جدا وشعب إسرائيل متأثرا جدا فلماذا لا تتكرر في المستقبل أيضا.
بخلاف رد الجمهور الغاضب على الإفراج بالجملة عن مخربين في الماضي، استُقبل القرار هذه المرة بتفهم بل بفرح. وذلك قبل كل شيء بسبب شخصية شاليط الذي بدا في جميع الصور مثل ولد أمه. وثانيا بسبب المعركة التي قامت بها العائلة. فقد احتلت قلب الجمهور بمظاهرات هادئة. ولم يكن والد في الدولة لم يفكر ماذا كان يحدث لو أن ابنه كان محبوسا في ظلام القبو خمس سنين. لا يوجد أحد غير سعيد من اجل العائلة لكنه حزين وقلق ويتساءل كيف لم يعرف الجيش وأذرع الاستخبارات البعيدة الصيت أين هو محبوس.
شاليط أم الأرض؟
تبنى نتانياهو قرارا أُنضج في الحكومة السابقة وجند الأكثرية في حكومته واهتم بأن يُعظم وبحق نصيبه في اتخاذ القرار. كانت سارة زوجته الأولى التي هاتفت والدة شاليط في خيمة الاحتجاج لتبلغها أن ابنها على شفا الإفراج عنه. ربما كان يمكن تنفيذ الصفقة بشروط مشابهة في فترة رئيس الحكومة السابق أيضا. لكن رئيسي الأذرع الاستخبارية كانا مؤيدين هذه المرة بخلاف الماضي. وحقيقة أن هذا حدث في ولايته وكانت له الجرأة لإطلاق مئات القتلة، بدعم من الجهات الأمنية، تضيف إليه نقطة ستُتذكر له تذكرا حسنا.فهل يجعل هذا نتانياهو زعيما يقود إلى السلام؟
سيكون أشرار يزعمون أن نتانياهو كُسر إزاء ضغط ثبت له أسلافه. بيبي لم يُكسر بل كسب مكسبا لتعزيز مكانته السياسية والشخصية. إن الإفراج عن شاليط عنده أسهل كثيرا من التنازل عن أراض من اجل السلام. إن عملا زعاميا واحدا لا يجعل نتانياهو زعيما وينبغي ألا ننسى أن قيادة حماس كانت في ضائقة بسبب ضغط مئات العائلات لإطلاق أقربائها الذين مكثوا في السجن سنين طويلة.
إضاءة :
إن ما رأيناه من جملة ما رأيناه في التفاوض هو أن مصر وتركيا غير غائبتين حينما يُحتاج إليهما، وأن دورهما يتعاظم الآن أكثر عن ذي قبل، إن الإفراج عن شاليط وحده لن يصنع من نتانياهو زعيما. لكنه يستطيع أن يصبح زعيما حقيقيا في اليوم الذي يعلم فيه أن التنازلات المفرطة يقومون بها لا من أجل جندي واحد بل من أجل تسوية سلمية في حدود آمنة ومن أجل الشعب كله وهو للأسف الشديد لا يزال بعيدا عن هذا الأمر بكثير.
