في فترة الرئيس السابق حسني مبارك أعربت مصر عن الاحتجاج على تدخل البابا بندكتوس السادس عشر في «الشؤون الداخلية لمصر» بسبب المس بالأقباط. فالمسلمون المتطرفون غير مستعدين لقبول تواجد الأقباط المصريين «الكفرة» على أرض مصر. وهم يتجاهلون أن الأقباط، الذين يعدون بين 10 و15 مليونا بل وربما أكثر (الحكومة تخفي عددهم الحقيقي)، هم السكان الأصليون لمصر وعلى ما يبدو هم من سليلي الفراعنة.
استيعاب الخطر
من ناحيتهم، مصر هي بلاد إسلامية. ولما كانت هكذا، فبفهمهم، تواجد الأقباط في الدولة وعزلتهم الدينية يخلقان «دولة داخل دولة» وتحديا للإسلام. هكذا يتمسك المسلمون المتطرفون بأحداث مختلفة مثل عدم وجود رخصة بناء لكنيسة، أو اشتباه بإخفاء مسيحية أسلمت ــ كأسباب لإثارة المذابح بحق الأقباط، سلب أملاكهم وإحراق كنائسهم.
ومع كل هذا، يبدو أن السلطات المصرية استوعبت أن الخطر النابع من انعدام الاستقرار يضعف منظومة العلاقات الإقليمية المؤيدة لأميركا والغنية القادرة على تقديم المساعدات، ويقوض اتفاقات السلام مع إسرائيل. وتجد هذه الأمور تعبيرها في الضغط على المجلس العسكري الأعلى والحكومة المصرية المؤقتة لفرض النظام في الدولة.
في خلفية هذا الاستعداد توجد شائعات تتهم المجلس في أنه معني بتدهور الوضع كي يظهر كمخلص للشعب فيتخلد حكمه. ناشرو هذا الادعاء يشرحون ذلك بحقيقة أن السلطة لا تعالج قصورات العنف وتتلبث في التدخل وفي تقديم المساعدة.
اليد الأجنبية
وكبديل تتعاظم الشائعات عن تعاون المجلس بالذات مع الإسلاميين. مهما يكن من أمر، في إطار محاولات رئيس الوزراء عصام شرف وقف التصعيد للمس بالأقباط فإنه يعرض هذا الفعل العنيف بأنه يخدم مصالح أجنبية، هدفها إثارة الفتنة، الحرب الأهلية وذلك لدفع مصر نحو الانهيار، والمس بالمسيحيين يميز سلوك المتطرفين الإسلاميين في الشرق الأوسط بشكل عام.
تجربة المسيحيين في أن يخلقوا في الدول المجاورة أطرا سياسية قومية كبديل عن الإسلام لم تنجح.
في منطقتنا وجد الأمر تعبيره على نحو خاص في بيت لحم، حيث تضرر المسيحيون بشكل شديد منذ انسحاب إسرائيل. ولكن لا يزال، في كل عيد مسيحي تتعرض بنات المدينة المسيحيات للتنكيل الجنسي الفظ من السكان الجدد للمدينة والبدو من عشائر التعامرة.
السبت والأحد
تسلسل الأمور كما عرضه الإسلاميون تجاه اليهود والمسيحيين كان دوما على النحو التالي: في البداية ننهي السبت (اليهود) وبعد ذلك ننتقل إلى الأحد (المسيحيين). ومع أن الدينين العتيقين يعتبران «ديني كتاب"، فان نهايتهما حسب المتطرفين الإسلاميين أن يتأسلما أو ينتهيا. يخيل أن في مصر تغير تسلسل الأمور، ولكن لا ينبغي لنا أن نخطئ في فهم النوايا.
تجاهل الإسلام لأسبقية الأقباط، سليلي بناة الأهرامات، وحقهم في هوية خاصة بهم يشرح أيضاً الرفض الفلسطيني ــ الإسلامي الاعتراف باليهود بناة القدس العتيقة وإسرائيل، كدولة يهودية ذات جذور قديمة.
من زاوية نظرنا فمن جهة، ما لنا أن نطلب من جنين منشق ومتنازع لم يولد بعد أن يعترف بنا. من جهة أخرى، يجدر بالعالم المسيحي، ولا سيما في أوروبا المزايدة، أن يتعلم الدرس الذي يلقن الآن للأقباط في مصر، كي يتمكن من صد الشر في وطنه.
زعران يهود
عندنا أيضا، كدرس من أعمال الشغب في مصر، يجب نصب إشارة تحذير كبيرة في ضوء السلوك الإجرامي لمجموعة الزعران اليهود الذين يعملون ضد المساجد والمواطنين العرب. ومثل الراديكاليين الإسلاميين في مصر، فإن هذا العنف ضد الأقليات يأتي من ذات المكان المظلم. فضلا عن الأضرار الإجرامية بالأملاك وبالنفوس، يخط العمل المتصاعد لأولئك المتطرفين مسارا خطيرا يضعضع صلاحية السلطات ويمس بمصالح الحكم المركزي الديمقراطي. يجب اجتثاث هذا الوباء بسبب الضرر الذي يلحقه عمل هؤلاء الإرهابيين بنسيج التعايش في البلاد وبصورة إسرائيل المتنورة بين الأمم.
تصريحات بلا جدوى
مرت على الأقباط في مصر تحولات عديدة في حياتهم، التي كانت تخضع للتمييز في كل مستويات الحياة والاعتداءات في السنوات العشرة الأخيرة، أصبحت جحيما، ولا سيما في أعقاب «ربيع الشعوب العربية».
لم تجد نفعا التصريحات، مثل تصريح البطريرك شنودة الثالث ضد إسرائيل، ومساهمة الأقباط في التعليم، الاقتصاد، الجيش، السياسة وكل مجالات الحياة في مصر. تحريض المتطرفين لا يتوقف ويؤدي إلى أن تحترق كنائس باستمرار، وتختطف وتغتصب بناتهم وأبناء الطائفة يقتلون بالعشرات، مثل إحراق الكنيسة في أسوان، وقتل عشرات المسيحيين على أيدي المشاغبين مؤخرا.
