في سبت واحد أخرج الاحتجاج الاجتماعي في إسرائيل نحو 400 ألف إسرائيلي في مظاهرات تعتبر هادئة بالقياس بالمظاهرات في الدول العربية المجاورة، بينما الاحتجاج الأميركي «لنحتل وول ستريت» لم ينجح في أن يخرج إلى المظاهرات أكثر من عُشر هذه الكمية. يجدر بالأميركان أن يتعلموا من إسرائيل كيف يجري الاحتجاج وبالأساس على ماذا الاحتجاج.
ضد الرأسمالية
العناوين الرئيسية والصور في وسائل الإعلام ما كان يمكن تفويتها، فقد صدرت خلال الأيام الماضية على صفحات كاملة في وسائل الإعلام في كل العالم، هكذا جاء في الصحافة المكتوبة والالكترونية، بما في ذلك الإسرائيلية، «خرج يوم الشعب للتظاهر ضد مظالم الرأسمالية الوحشية».
حركة الاحتجاج الأميركية «لنحتل وول ستريت»، قيل أيضا، اجتاحت العالم واجترفت وراءها «الجماهير» الذين اتحدوا في ندائهم للعدالة الاجتماعية، الثورة على الأبواب.
نعم حقا من كان يصدق، ها هي أعداد المشاركين القصوى، عدد الواقفين في الطابور لشراء الآيفون الجديد كان ضعفين أو ثلاثة أضعاف عدد المتظاهرين ضد الأغنياء.
مظاهرات أكثر أهمية جرت فقط في روما وبرشلونة. في روما سيطر على المظاهرة فوضويون عنيفون، وفي برشلونة (وفي مدريد) المظاهرات تجري على التواصل منذ بضعة أشهر، على خلفية أزمة الديون الاسبانية.
الخلاصة بالتالي محرجة. عدد المشاركين في مظاهرات الاحتجاج «الجماهيرية» و«العالمية» يوم السبت كان هامشيا، مجهريا. في أرجاء العالم الغربي (باستثناء ايطاليا واسبانيا) تظاهر في ذات اليوم اقل مما تظاهر في أرجاء سوريا. في قسم كبير من الاحتشادات ــ احتشادات وليس مظاهرات أحصي عدد مشابه للمحتجين والصحافيين. أحيانا صحافيون أكثر.
بطالة وإفلاس
فشل حركة الاحتجاج الأميركية الأوروبية يبرز سواء على خلفية الوضع الاقتصادي الرهيب في الولايات المتحدة وفي أوروبا ــ بطالة ضعف ما هي في إسرائيل، تقليصات لا رحمة فيها في الميزانيات، افلاسات حكومات ودول أم حيال التجنيد الكثيف للرأي العام الليبرالي من أجل الاحتجاج. قادة الاتحادات المهنية، قادة الجمعيات والمنظمات الاجتماعية، الفنانون، الشخصيات العامة، المثقفون، الممثلون السينمائيون، كبار رجالات الإعلام، كل رجل وزوجته أعربوا عن تأييدهم الحماسي للمظاهرات.
المتظاهرون لم يأتوا
ولماذا لم يأتوا؟ ها هو الجواب: مع أنه في استطلاعات الرأي العام أكثر من الثلث من مواطني الغرب يعربون عن تعاطفهم مع الاحتجاج، فإنهم يجدون صعوبة في إعطاء تفاصيل عما يريد الاحتجاج تحقيقه باستثناء «خوزقة البناديق من قدامى اليساريين والشيوعيين». الرسائل التي تخرج عنه مشوشة وغير حقيقية، وتتراوح بين الحسد والغضب.
قدامى اليسار الثوري ارتبطوا بالتيار الاجتماعي الشعبي لليمين وخلقوا خليطا عديم الطعم بل وأحيانا خطير، وفي الهوامش حتى لا تشعر بوجودهم. يتبين، ان الطبقة الوسطى الغربية، التي تضررت بشدة من الأزمة، أكثر حذرا وحكمة وغير مستعدة للانجرار إلى مظاهر احتجاج ليست سوى احتفالات لشجب الرأسمالية. إذ حقا ما الذي أجداهم من «احتلال» وول ستريت ومدينة لندن ومباني إدارة البنوك. سينفسون للحظة عن غضبهم ويعودون إلى الأزمة.
استجابة الحكومة
وهنا تبرز انجازات حركة الاحتجاج الاجتماعي الإسرائيلية. بعد بضعة أسابيع من الحرج فإن «احتجاجنا» تبنى مبدأ هاما: لا للتطرف والتزمت، لا لأعمدة المشانق للأغنياء، لا لاحتلال البورصة والبنوك ونعم للمطالب المحددة والمركزة، الموجهة أساسا تجاه الحكومة. الاحتجاج الإسرائيلي طلب ــ وتلقى مساعدة من الدولة للأزواج الشابة مع أطفال، تخفيض أسعار سلة المنتجات الغذائية، تغيير متدرج لتركيبة الضرائب والمشاركة العامة في تحديد السياسة الاجتماعية. هذا نجاح غير مسبوق، مدوٍ ومثير للانفعال.
في سبت واحد أخرج الاحتجاج الاجتماعي عندنا نحو 400 ألف إسرائيلي في مظاهرات هادئة من أجل العدالة الاجتماعية، وللدقة ــ من أجل خمس ــ ست مطالب محددة. لا ثورية ولا شعارات حادة وصرخات في السماء. الاحتجاج الأميركي «لنحتل وول ستريت» بالمقابل، لم ينجح في أن يخرج إلى المظاهرات أكثر من عُشر هذه الكمية. يجدر به أن يتعلم من إسرائيل كيف يجري الاحتجاج وبالأساس على ماذا الاحتجاج.
أعداد المتظاهرين
حسب تقارير وكالات الأنباء في المظاهرات في المدن الكبرى. في لندن تظاهر نحو 2.000 شخص، في باريس نحو 300، في طوكيو نحو 150، في ستوكهولم نحو 500، في برلين نحو 3.000، في واشنطن نحو 400، في تورينتو نحو 1.000، في سيئول نحو 600، في مانيلا نحو 100 وفي نيويورك أحصي في المظاهرات في ميدان تايمز 2.500 شخص. في لوس انجلوس وفي سان فرنسيسكو، المدينتين ذاتا التوجه اليساري الواضح، تظاهر يوم السبت نحو 300 حتى 400 شخص في كل واحدة منهما.
