يُقتبس من كلام كونراد اديناور الذي كان مستشار ألمانيا الغربية أنه قال: «التاريخ هو حاصل كل الأشياء التي كان يمكن منعها». من المؤكد أن اديناور فكر في الأساس في حروب نشبت ولم تُمنع، لكنها انتهت أيضا على نحو عام.
باعتبارنا في إسرائيل أبناء مجتمع يخضع لحرب مستمرة منذ أربعة أجيال وأكثر، يحسن بالإسرائيليين أن يحاولوا أن يتعلموا من التاريخ كيف تنتهي الحروب. يمكن هذا النظر أن يكون مساعدا في تقدير واقعي لسؤال كيف يمكن أن تنتهي حرب «مئة السنة» بيننا وبين الفلسطينيين. يحسن القيام بهذا التقدير بدل الانشغال بأوهام لا صلة لها بواقع ممكن ما، وهي الوقود الرئيس الذي يحرك عجلات الحروب منذ كانت.
يمكن أن نلاحظ في التاريخ الإنساني نموذجين رئيسين لنهاية الحرب: الأول، الإنهاء بالإبادة. والثاني، الإنهاء عن تفاهم. ويبدو لي أن أكثر الحروب في التاريخ انتهت بصورة هي بالنموذج الثاني أشبه.
على حسب النموذج الأول، تنتهي الحرب حينما يقضي أحد الطرفين على الآخر. وهذا القضاء المتحدث عنه هو في أساسه نقض للإطار السياسي عند الطرف الخاسر في الحرب.
إن التواجد العسكري مع فتور المعارك والذي يعبر عنه احيانا بمعاهدة سلام أو اتفاق على هدنة توقع بين الطرفين، أو استسلام الطرف المهزوم للطرف المنتصر، ليس عاملا مهما في تمييز ماهية نهاية الحرب. فقد انتهت الحرب العالمية الأولى بمقام وقعت فيه ألمانيا على نحو مراسمي على استسلام للدول الحليفة بلا شرط تقريبا وهي التي اعتبرت منتصرة في تلك الحرب. وانتهت الحرب العالمية الثانية أيضا باستسلام ألمانيا واليابان المطلق. وبرغم ذلك يبين التاريخ أن العدو الألماني والياباني في الحالتين لم يُهزما ولم يُبادا بحسب أي مقياس تاريخي.
تنتهي أكثر الحروب في العالم حينما يتوصل قادة الطرفين إلى فهم أن استمرار المعارك لن يأتيهم بأية فائدة. وفي عدد كبير من الحالات تكون الفائدة المذكورة مكسبا شخصيا ما للقادة أنفسهم. وفي حالات أخرى حينما تحظى أمة بقادة ملائمين تكون الفائدة أمام أعينهم هي مصلحة المجتمع.
إن دولة إسرائيل في وضع دوني جوهري في حربها للشعب الفلسطيني، لا يغيب عن بصر كل من ينظر بعينين مفتوحتين إلى ميزان القوى في الشرق الأوسط. إن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يمكن أن ينتهي بانتصار إسرائيل بحسب النموذج الأول.
في شهر حزيران 1967 كانت دولة إسرائيل قريبة من وضع إنهاء الحرب بحسب النموذج الأول أكثر مما كانت ذات مرة، وأكثر من كل قرب يمكن أن تصل إليه في المستقبل القريب. لكن الحرب لم تنته. وفي مقابل هذا فان للجانب العربي في حرب إسرائيل فلسطين إمكانا نظريا أن ينتصر وان ينهي الحرب بحسب النموذج الأول. ص والدرس أن على حكومة إسرائيل إن تؤدي إلى إنهاء الحرب بحسب النموذج الثاني. ومن اجل هذا يجب عليها أن تُحدث وضعا شرق أوسطي لا يكون فيه لأي حاكم عربي وفيهم القادة الفلسطينيون ما يكسبونه شخصيا من استمرار الحرب، ولا يكون لأي واحد منهم حافز شعوري قوي بقدر كاف لبدء معركة عالمية أخرى.
تستطيع إسرائيل بسياسة موزونة تعتمد على رؤية استراتيجية بعيدة الأمد أن تخلق واقعا كهذا ربما قبل نشوب الموجة الكبيرة التالية من سفك الدماء في الشرق الأوسط. وذلك برغم تصريحات عدائية بل بإزاء تحديات عنيفة من الجانب العربي.