في طائرة رئيس الوزراء العائدة من نيويورك، أُمر القائد ركاب الطائرة بشد الأحزمة، لكن رئيس الحكومة اختار التجاهل، فاجتاز المسافة بين القسم الأول الذي هُييء له ولزوجته خاصة، ومر بطائفة مستشاريه وأفراد دعايته وبلغ إلى متنها. تمنى للصحافيين الذين غطوا زيارته عاما جديدا سعيدا.

 

عودة للمشاكل

من اللذيذ العودة إلى البلاد من أميركا البائسة التي تئن تحت نسب بطالة عالية ترفض الانخفاض، وأزمة اقتصادية عميقة وشلل سياسي. ومن اللذة الطيران فوق اليونان المفلسة التي تجر وراءها الاتحاد الأوروبي كله إلى بئر. قياسا بما يحدث في العالم، فان إسرائيل جزيرة كلها خير وهي جنة عدن. ووزير المالية الذي هو ضيف على الطائرة تقلقه في الأساس حقيقة أن الركاب اشتروا من أفضل السلع في متاجر نيويورك الكبيرة وظلموا دولة إسرائيل 16 في المائة من ضريبة القيمة المضافة.

الشعب لا يطلب شيئا فحاله حسنة. واحتجاج الصيف برد في أمطار الخريف. وهنا وهناك لا تزال توجد خيام في أطراف المتنزهات، تبدو مثل رزمة نسي شخص ما أخذها، أو مثل صور في الفيس بوك لرحلة كانت منذ زمن. يقترح البروفيسور تريختنبرغ تعديلات لسياسة الحكومة الاقتصادية. وروح توصياته تناقض مناقضة تامة تصور رئيس الحكومة العام، لكن هذا لا يعوق رئيس الحكومة عن تبني التوصيات فورا، وكأنه ينوي تنفيذها فورا حينما يتفرغ من الهجوم الدعائي القادم على العدو المناوئ للدولة اليهودية أبو مازن أو اردوغان أو تسيبي لفني.

الساحة العربية

إن السنة التي انتهت منذ أيام تركت وراءها عددا من المواريث للسنة الجديدة. إن النظم العسكرية في العالم العربي سقطت أو تحارب حربا تدافع فيها عن بقائها. فالحاضر للجمهور في الشارع، والمستقبل في شبه يقين للأحزاب الإسلامية. سيكون أصعب على إسرائيل أن تتوصل إلى تطبيع مع عالم عربي كهذا.

ان كثيرين في إسرائيل يتقبلون هذا المسار بنوع من الرضا. فالجمهور الذي يشاغب قبالة مبنى سفارة إسرائيل في القاهرة يثبت ما اعتقدوه في العرب دائما. فقد أصبح صنع نظام في الذهن أسهل وأبسط، فهم العدو ونحن الضحية. يمكن أن نعود إلى الأيام الطيبة التي سبقت اتفاق السلام مع مصر وان نسمي كل حاكم مسلم «طاغية» و«قاتلا» و«كاذبا». وقد أصبح رئيس حكومتنا يفعل هذا فضلا عن وزير الخارجية. إن خطبهما تُكتب الآن من تلقاء ذاتها دون جمل مركبة ودون «لكن» و«مع ذلك» و«برغم ذلك». إنهما يسميان الأشياء بأسمائها.

عالم جديد

سنكون في العالم الذي أورثتناه في السنة الماضية قلعة الغرب في عالم شرقي، وقلعة الديمقراطية في عالم استبداد، وقلعة سلامة العقل في عالم مجنون، وقلعة الحضارة اليهودية النصرانية في عالم مسلم. سيرى جيل جديد من الإسرائيليين صور أعضاء منظمة «هشومير»، متعممين بكوفية وعقال ولن يصدق أنهم يهود. سيسمع بحلم الشرق الأوسط الجديد لشمعون بيرس ولن يصدق. وستُروى له حكايات رحلات كانت ذات مرة إلى البتراء وجرش والجيزة وأسوان. سيحلم الإسرائيليون بشرق من نوع آخر، مثل ناس ديوان رئيس الحكومة الذين نسجوا وقت زيارته مانهاتن حلم أن يسافروا إلى الشرق إلى كوينز ويزوروا قبر الحاخام ميلوفوفيتش، وعادوا من هناك متأثرين.

كلما استطالت قائمة الدول التي تتجهم لإسرائيل سهُل علينا أكثر أن نكشف عورتها. إن رئيس الحكومة، في خطبته الجارفة في الجمعية العامة للأمم المتحدة خط الطريق قائلا إن العالم معاد للسامية. والعالم ينسى المحرقة، والعالم يريد إبادة إسرائيل. في السنة القادمة سنرسل كتائب من خبراء الدعاية إلى خارج البلاد للبرهان على أن العالم كله ضدنا ولن نهدأ حتى تحقق النبوءة نفسها. وفي السنة الجديدة سنكون عادلين، عادلين طوال الوقت. سيلبس بيبي ثوب غولدا ونلبس جميعا ثوب غولدا ونشعر شعوراً تاماً بأننا أخلاقيون.

الكلمات مثل المخدر: نستعملها في البداية ثم نُدمن. إن الكلمات هي ما تورثه حكومتنا للسنة الجديدة من السنة الماضية.

 

 

الاحتجاج الاجتماعي

أورثت السنة المنصرمة الإسرائيليين ميراثا عزيزا آخر وهو الاحتجاج الاجتماعي. كانت الشعارات التي رفعت في المظاهرات ثورية، لكن النغمة كانت مهادنة وبرجوازية وغير ثورية بصورة واضحة. كان ذلك احتجاج مزاج نفسي في أحسن معاني المصطلح: فقد سعى إلى تغيير في الجو العام وترتيب الأفضليات وقواعد اللعب، ولم يكن الذي أحدثه الجوع في الخبز بل خيبة أمل جيل شاب يرى كيف يقدم الجهاز السياسي آخرين على حسابه؛ ولا يرى بخلاف أجيال سابقة كيف يستطيع أن يبلغ حياة أفضل وأكثر إرضاء من حياة والديه. لا تستطيع أية لجنة ان تمحو خيبة الأمل هذه بمجموعة توصيات، ومن المؤكد ألا تفعل ذلك لجنة التزمت سلفا ألا تخرق إطار الميزانية.