الفلسطينيون يتحدثون منذ سنة عن التوجه إلى الأمم المتحدة، ونتانياهو اكتفى بخطوات منع دبلوماسية، بدلا من أخذ المبادرة. ولم يظهر هناك إبداعية ولم يبادر إلى أي خطوة التفافية. ليس رد «نعم، لكن»، أو محاولة طرح مطالب مضادة إسرائيلية مثل «الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية» مقابل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وبالطبع ليس خطوة جريئة على نمط مناحيم بيغن أو ارئيل شارون، اللذين في أوضاع عزلة مشابهة تنازلا عن أراض اقل حيوية في سيناء وفي غزة، لتثبيت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية. السلام الذي وقعه بيغن مع مصر يتفكك، وبالذات «مائة الون موريه» أقامها بيغن وشارون في الضفة تواصل الازدهار والتفتح.
القعود في المكان يخدم الاحتياجات السياسية لنتانياهو، ويحافظ على استقرار الائتلاف اليميني برئاسته. وزير الدفاع ايهود باراك، الذي حذر في الشتاء من «التسونامي السياسي» في الصيف، وأيد الاعتذار للأتراك، يتحدث إلى الحائط. نتانياهو يستلطفه، وعلى ما يبدو يعتمد عليه في إدارة جهاز الأمن وضمان الهدوء السياسي في الجيش، ولكنه يتجاهل بثبات نصائحه. والآن يعتزم أيضاً أن يقلص له الميزانية، ما لا يتجرأ على فعله للمستوطنين (أفيغدور ليبرمان) أو الأصوليين (ايلي يشاي).
محظور علينا أن نتشوش: نتانياهو يستمتع بالاختباء خلف ليبرمان كي يظهر كمعتدل، ولكن لا يوجد حقا خلاف بينهما. نتانياهو رفض الاعتذار للأتراك ليس بسبب غضب وزير الخارجية بل لأنه رأى في الاعتذار تعبيرا عن الضعف سيؤثر سلبا على مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط.
نتانياهو محق أكثر من الآخرين في تقويمه في أن «الربيع العربي» ينطوي على شر لإسرائيل. الاستخبارات اعتقدت أن في مصر «سيتغير الحاكم وليس الحكم»، وآخرون فرحوا لان يكتشفوا بأن المتظاهرين في ميدان التحرير ينشغلون في الأمور الداخلية وليس في إحراقهم أعلام إسرائيل. رئيس الوزراء قدر بأن هذه مرحلة انتقالية، وان مصر بدون مبارك ستصبح إيرانا جديدة أو على سبيل أهون الشرين، تركيا. كما أنه كان محقا في فهمه بأن اردوغان يريد اعتذارا إسرائيليا كي يري من هي القوة العظمى الإقليمية ومن هي الدولة الفارغة، وليس لاعتبارات التشريفات والمجاملات. ولكن ردود فعل نتانياهو لم تساعد في تبديد التوتر مع الدول العربية وتركيا بل عززت عزلة إسرائيل.
نتانياهو يأمل الآن في أن تثبت بعض دول الخليج، التي تخاف مثل إسرائيل التغييرات في المنطقة، تحالفا سريا مع إسرائيل ضد القوى المتطرفة في أنقرة، طهران والقاهرة وحيال السياسة المنبطحة والضارة لاوباما. يوجد منطق في نهجه أدى به إلى تحالف التفافي لتركيا مع اليونان، بلغاريا ورومانيا ولكن مشكوك أن تنجح السعودية في الاختبار وتسند إسرائيل حيال السعي الفلسطيني لتحقيق قرار الأمم المتحدة.
نتانياهو يقدر بأن التصويت في الجمعية العمومية لن يترجم إلى انتفاضة ثالثة وان الاستعداد المسبق سيسمح بوقف المسيرات الاحتجاجية. وهو لا يخشى أن تفرض الأمم المتحدة عقوبات على إسرائيل ويتوقع أساسا صراعا دبلوماسيا طويلا مع الفلسطينيين في المؤسسات الدولية وفي المحاكم.
في هذه الأثناء سيواصل المساعي التي من أجلها كرس حياته الدبلوماسية والسياسية، لتحويل روح الرأي العام في الغرب. نتانياهو يواصل الأمل في أن ذات يوم سيفهم الأميركيون والأوروبيون بأن إسرائيل تحافظ نيابة عنهم على الشرق الأوسط وان الفلسطينيين هم مصدر المشاكل.
ولكن لعدم حظه، إلى أن يتجسد هذا الحلم، سيتعين عليه أن يتصدى لمطلب الاستقلال الفلسطيني في المناطق، والذي يتمتع بتأييد دولي هائل ويسند بتهديدات الحرب في الوقت الذي تضطر فيه إسرائيل إلى طي أعلامها المحروقة من دول المنطقة.