اليوم أكثر من أي وقت مضى ستعمل التسوية مع الفلسطينيين في صالح إسرائيل، ليس فقط في حل النزاع بل أساسا كمصدر لتهدئة التدهور في المنطقة وستشكل بقدر كبير أيضاً مفتاحا للتحرر من العزلة الوطنية.

توجد إسرائيل في دوامة من التدهور الإقليمي، مثيرتها الكبرى هي تركيا. أنقرة، التي «تشم الدم» وتشخص ضعف العزلة المتصاعدة لإسرائيل في العالم، تستغل جيدا العجز الأميركي في المنطقة، وتحاول رص الصفوف في العالم العربي حولها، من خلال زيارة اردوغان إلى مصر وخطابه في اجتماع الجامعة العربية قبيل التصويت في الأمم المتحدة على الاستقلال الفلسطيني الأسبوع القادم.

 

ألاعيب أردوغان

محق وزير الخارجية في قوله أن حذار علينا أن نتحمل مسؤولية كل ما يحصل حولنا ليس كل شيء بذنبنا. تخطيء الحكومة في استنتاجها بان على إسرائيل أن تلف نفسها بادعاء عدالة موقفها والتمترس عنده. إذ أنه مع أن مرحلة قراءة الخريطة ومنع الدخول إلى الكمين السياسي الإقليمي قد فوتناها، ولكن حتى في إطار الانجراف الذي علقنا فيه مطلوب منا أن نتخذ خطوات تسمح لنا بالخروج منه، وعدم ترك أنفسنا لدوامة يمكنها أن تؤدي إلى تصعيد إقليمي شامل، مؤشراتها تتضح حولنا، وليس لنا من نعول عليه في أن يقوم بالعمل نيابة عنا.

تركيا لن توقف الاستفزازات والمناكفات، وليس لديها مخاوف من شد الحبل حتى لو قطع. العكس هو الصحيح، اردوغان هو من الأوائل الذين شخصوا التغييرات في الخريطة الإقليمية والعالمية، واكتشف بان اللعب بإسرائيل مصدر قوة متعاظم، يخدمه أيضاً لأغراض السياسية الداخلية كسلم متصاعد في العالم العربي المتقلب، وكذا كفرصة له للرد على الغرب لقاء الكتف الباردة التي حصل عليها من الأوروبيين لمحاولته الانضمام إلى الاتحاد، والإهمال الأميركي لمكانة تركيا. تحدي إسرائيل «الولد المدلل»، هو خطوة ممتازة من ناحيته لتوحيد صفوف «الأخوة» والمس بـ «الأبوين»، بالشكل الذي يخوض فيه لعبة الشطرنج الإقليمية خاصته.

موقف مصر

في الأيام العادية عندما كانت قوة وزعامة مصر في متنها، ما كانت تركيا لتجرؤ على محاولة تجنيد مصر تحت جناحها. وهذه من ناحيتها، ما كانت لتفتح ثغرة وترحب باردوغان كي يخدم أجندته الإقليمية، بالتأكيد ليس قبل أقل من شهرين من الانتخابات هناك.

في الوضع الحالي، حين يكافح الحكم العسكري المصري بيأس في سبيل حياته، ومستعد لان يضحي على مذبح بقائه بزعيمه مبارك، مؤسسات الحكم بل ويترك السفارة الإسرائيلية إلى مصيرها، فان هذا النظام اضعف من أن يقف في وجه الخطوة التركية. كما أن ثمة سبب للتخوف من أن ذات الحكم سيكون اضعف من أن يمنع التضحية باتفاق السلام مع إسرائيل، بضغط التصعيد الإقليمي والرأي العام الداخلي، الذي يقرر اليوم الأجندة الوطنية.

مصر تسير نحو الانتخابات في تشرين الثاني. انتخابات ستكون لأول مرة في تاريخها، لأسفنا، ديمقراطية وحرة حقا. لأسفنا، لان المسألة الأساس ستكون إذا كان الإخوان المسلمون سيحققون 40 في المائة من المقاعد أو حتى أغلبية. مهما يكن من أمر، من تشرين الثاني سيكون في مصر حكم أكثر تطرفا تجاه إسرائيل.

 

تقييم شامل

اذا أخذنا بالحسبان إمكانية أن في تشرين الأول سيعترف بالفعل بالدولة الفلسطينية، وحتى لو لم تكن اضطرابات، ففي غضون شهرين سنقف أمام شرق أوسط آخر أكثر معاداة لإسرائيل، حيث تكون الولايات المتحدة أيضاً ستنطوي على نفسها سنة بالضبط قبل الانتخابات. وسلم أولوياتها الداخلية، وليس التدهور الإقليمي المحتمل في الشرق الأوسط هو الذي سيقرر إذا كان اوباما سيحظى بفترة إضافية.

ليس لحكومة إسرائيل مفر غير أن ترفع عينيها في ضوء ما سيحصل، والقيام بتقويم شامل للوضع، حقيقي وصادق، وذلك لأنه ليس المنطقة وحدها تتغير أمام ناظرينا بل أن عناصر ذات أهمية في أمننا الوطني ستتغير أيضا. تأثير الركود المتعمق في أوروبا وفي الولايات المتحدة هو مصدر لقلق اقتصادي ذا مغزى لإسرائيل، لسبب أن معظم تصديرنا، 67 في المئة بالدقة، هو إليها.

 

تراجع الردع

 

تفاقم وضع الاقتصاد في الفترة القريبة القادمة لن يساعد إسرائيل في اجتياز الأزمات المرتقبة. كما أن الاعتماد الإسرائيلي الزائد على قوة الردع الإقليمي لديها جدير بإعادة تقويم في هذا الوضع، وذلك لأنها لم تفحص كم من قوة الردع هذه ينبع من قوتها العسكرية وكم منه يعتمد على التقارب مع الأميركيين. الواضح هو أن هبوط النفوذ الأميركي في المنطقة، والاستفزازات غير المنقطعة التي تتصدرها تركيا كفيلة بان تجر إلى عمليات إرهابية متصاعدة، تقضم جزءا مهما من مدى الردع، بل وتخلق أجواء من الفرص ولحظات مناسبة للمس بإسرائيل.