الجهد الدبلوماسي خلال السنين لانخراط إسرائيل كجار مقبول في الشرق الأوسط انهار هذا الشهر، مع طرد السفيرين الإسرائيليين من أنقرة والقاهرة، والإخلاء العاجل لطاقم السفارة من عمان. هذا درك أسفل جدا علقت فيه سياسة الخارجية الإسرائيلية منذ الزيارة الاختراقية للرئيس المصري أنور السادات إلى القدس في 1977. المنطقة تلفظ من داخلها دولة اليهود، التي تغلق على نفسها عميقا خلف أسوارها المحصنة، بقيادة حكومة ترفض كل تغيير، حراك أو تعديل، وتتكبد الهزيمة تلو الهزيمة.
هزيمة دبلوماسية
مكان أقوال السلام احتلته تهديدات الحرب. رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان، احتفل هذا الأسبوع في القاهرة بعودة بلاده إلى قيادة الشرق الأوسط، بعد نحو مائة سنة من طرد الجنرال اللنبي وجنوده لها من هناك. وقد استغل زيارته لتعزيز طوق الحصار حول إسرائيل، وحذر بصوته الراعد: «عدوان إسرائيل يعرض مستقبلها للخطر». وحتى عبدالله ملك الأردن، الدولة المعتدلة بين الدول العربية وحليفة الحركة الصهيونية حتى قبل قيام الدولة، انضم إلى المهددين فقال في حديث مع صديق له إسرائيلي من الولايات المتحدة أن «الأردن ومستقبل فلسطين أقوى من إسرائيل، الإسرائيلي هو الذي يخاف الآن. وضعكم أصعب من أي وقت مضى».
قريبا ستتكبد إسرائيل هزيمة دبلوماسية أخرى قد تكون الأصعب في تاريخها، حين ستطلب السلطة الفلسطينية من الأعضاء في الأمم المتحدة الاعتراف بها كدولة. صيغة الإعلان والإجراءات ليست منتهية بعد: مع أو بدون ذكر حدود 67؛ طريقة التوجه إلى مجلس الأمن، حيث سيصطدم الاقتراح بالفيتو الأميركي أو مباشرة إلى الجمعية العمومية، حيث مضمون للفلسطينيين أغلبية هائلة، ولكن فقط لدولة «مخففة» ليست عضوا كاملا في الأمم المتحدة. كما أن قائمة المعارضين والممتنعين لم تغلق: هل ستبقى إسرائيل وحدها مع الولايات المتحدة، أم ستقنع بعض الدول الأوروبية للوقوف إلى جانبها، وتتمكن من الادعاء بأنها خسرت بالنقاط وليس بالضربة القاضية المهينة.
المواجهة القادمة
الحقيقة هي أن هذا ليس مهما. الواقع السياسي سيتقرر في أزقة البلدة القديمة في القدس، في تلال الضفة الغربية وفي حدود قطاع غزة، وليس في قصور الأمم في واشنطن أو في نيويورك. قرار الأمم المتحدة إقامة دولة فلسطينية ستمنح تسويغا دوليا إن لم نقل دفعة وتشجيعا، لحرب التحرير الوطنية للفلسطينيين من عبء الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنات. هذا ما يريده «العالم»، إلى هناك يتجه اردوغان، الملك عبدالله والمتظاهرون في عمان وفي القاهرة، ومن خلفهم يختبئ رئيس الولايات المتحدة باراك اوباما، الذي يجتهد ظاهرا لمنع الأزمة بإجراءات دبلوماسية للحظة الأخيرة، ولكنه يكتفي بإرسال مبعوثين منخفض المستوى لمهمات عديمة الاحتمال.
إسرائيل تصل إلى المواجهة المقتربة مع الفلسطينيين وهي منعزلة، ضعيفة ومكروهة في الأسرة الدولية. رئيس الوزراء نتنياهو مطالب الآن بان يدفع ثمن التغييرات في الشرق الأوسط: أفول القوة العظمى الأميركية، صعود تركيا الاردوغانية، تقدم البرنامج النووي الإيراني وتعزز الجماهير في الدول العربية. نتنياهو وقادة جهاز الأمن يحاولون تهدئة الجمهور الإسرائيلي، في أن الجيش الإسرائيلي مستعد للتصدي للمسيرات في الضفة وفي القدس، وان مبالغ طائلة استثمرت في وسائل غير قاتلة لتفريق المتظاهرين.
سلبية نتانياهو
خرج نتانياهو في جولة مع المراسلين العسكريين على الحدود المصرية ووعد ببحث أعمال التحصن، الانغلاق، نتنياهو ليس مسؤولا عن التغييرات الإستراتيجية في المحيط ولم يرغب فيها. كان يفضل أن يبقى النظام القديم إلى الأبد، وان يبقى حسني مبارك واثقا في كرسيه، وان تعود تركيا إلى الكمالية العلمانية، وتحافظ أميركا على هيمنتها في المنطقة بقيادة رئيس جمهوري.
ولكن حيال التغييرات الدراماتيكية، اظهر نتانياهو سلبية تامة، وسمح لخصومه بأخذ المبادرة وتحديد جدول الأعمال. كل القرارات التي اتخذها كانت ردودا. اوباما ضغط، ونتنياهو أعلن عن تأييده لـ «الدولتين للشعبين»، وجمد المستوطنات لعشرة أشهر. اردوغان بعث بأسطول إلى غزة، ونتانياهو بعث بالوحدة البحرية إلى سيطرة فتاكة على السفن. الجماهير المصرية تظاهرت في ميدان التحرير، ونتانياهو طلب من الدول الغربية إنقاذ مبارك. منظمات الإرهاب في غزة خرجت في عملية كبيرة في النقب، على طريق سيناء، وامتنع نتنياهو عن تصفية المخططين قبل الأوان. اردوغان طلب الاعتذار على قتل المدنيين الأتراك في الأسطول، ونتانياهو رفض. الفلسطينيون يطلبون اعترافا دولية، ونتانياهو يرد برفض دبلوماسي.
إضاءة
صوص بلا ريش
أكثر من كل الآخرين، فان الرجل الذي دحر نتنياهو الى الزاوية كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس. الزعيم رقيق الحديث، الذي سمي ذات مرة في إسرائيل بانه «صوص بلا ريش»، أثبت بأنه دبلوماسي أكثر نجاحا من نتانياهو وحاصره بمبادرة التوجه إلى الأمم المتحدة. الفلسطينيون لم يدفعوا أي ثمن على رفضهم الحديث مع حكومة اليمين الإسرائيلية وعلى اختيارهم القناة المتجاوزة للاعتراف الدولي بدولتهم، بدلا من إدارة مفاوضات تلزمهم أيضاً بحلول وسط وتنازلات.
