المرحلة القادمة في ليبيا ستكون بقرارات تُتخذ في باريس، في لندن وفي واشنطن عن مدى التدخل في ليبيا وعن التضحية التي سيوافقون على أخذها على أنفسهم، في محاولة ليس فقط لتدمير العالم القديم حتى الأساس بل لبناء عالم جديد على حطامه. «حكم القذافي انتهى»، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما. ليس لأن أحدا ما سأل، ليس لأن القذافي انتظر إشارة منه بالذات، ليس لأن بيانا ما من مكان إجازة الرئيس اللطيفة سيغير الواقع على هذا النحو أو ذاك. ومع ذلك، فالإعلان ضروري. ليعلم الناس.
ثلاثة حروب
«نحن نقاتل الآن في ثلاثة حروب»، ذكّر جي لانو مشاهديه قبل بضعة أشهر عندما بعث أوباما بقوات الولايات المتحدة للمشاركة في حملة الناتو ليبيا، أفغانستان، العراق. «تصوروا كم حربا سنخوض لو أن أوباما لم يفز بجائزة نوبل للسلام». غير أن الرئيس لم يقبل أبدا الادعاء بأن الولايات المتحدة توجد في حرب في ليبيا. ما وافق على المشاركة فيه كان في البداية حملة إنسانية لمنع مذبحة جماعية، ومن قاده إلى ذلك لم يكن الأميركيون بل الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف الأطلسي وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا. أما الآن حين يسقط القذافي، فهناك حاجة إلى اقتسام الكعكة، ويتبين أن أوباما يريد بالذات نصيبه منها. وها هي الحجة التي أطلقها رجال حكمه هذا الأسبوع: عملنا بحكمة، وقفنا في الظل، ساعدنا الثوار دون أن نجعل أميركا بؤرة القصة. هكذا يتم إحداث ثورة، هكذا يتم إسقاط طاغية شرق أوسطي.
خلف فرنسا
«هذا انجاز رائع»، امتدح هذا الأسبوع جيمس ستاينبرغ، الذي كان حتى قبل أسابيع قليلة مضت نائب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، «العامل الأكثر أهمية هو أننا لم نجعل أنفسنا مشكلة. الناس لا يقولون إن أميركا تحاول مرة أخرى إسقاط الأنظمة» مثلما قالوا في عهد إدارة جورج بوش. ولكن كما هو متوقع، لم يكن الجميع أسخياء تجاه أوباما. فليس الجميع يعتقدون بأن «القيادة من الخلف» كالاسم الذي يعطي للسياسة الأميركية الحديثة جديرة على الإطلاق بلقب «القيادة». ميت روماني، المرشح الرائد عن الحزب الجمهوري في انتخابات 2012 أي الخصم المحتمل لأوباما قضى «بأننا نسير خلف الفرنسيين إلى داخل ليبيا». إذ لا يحتمل أن يكون هناك أمر أسوأ من السير «خلف الفرنسيين» إلى الحرب.
منتقدو أوباما رحبوا برحيل الحاكم الليبي، ولكنهم رفضوا أن يعزو الحظوة لرئيسهم. «الأميركيون يمكنهم أن يكونوا فخورين بالدور الذي لعبته دولتنا في المساعدة لهزيمة القذافي»، كتب السناتوران الجمهوريان جون مكين ولنديسي غرام في بيان مشترك. «ولكننا نأسف أنه استغرق هذا النجاح زمن طويل للتحقق، بسبب فشل الولايات المتحدة في إلقاء كامل ثقل وزن قدراتنا الجوية في المعركة».
المرحلة القادمة
إذا كانت المعركة على ليبيا انتهت هذا الأسبوع، فان القصة تكون انتهت هكذا. حظوة كاملة للزعيمين الأوروبيين، وفقط بعد ذلك للرئيس الأميركي. أوباما يمكنه أن يتعايش مع هذا الحرب في ليبيا لن تكون هي التي ستقرر مستقبله، غير أن المعركة على ليبيا بدأت فقط، وأميركا، التي وافقت على أن تنجر إلى التدخل غير المباشر في مرحلة القتال، سيتعين عليها أن تتصدى من جديد لذات المعضلة في مرحلة الاستقرار مثلما في أفغانستان والعراق.
هذه هي المرحلة التي تدفع فيها القوات الأجنبية الثمن الدموي الباهظ على دورها، هذه هي المرحلة التي ستبدأ في الأسبوع القادم بقرارات تُتخذ في باريس، في لندن وفي واشنطن عن مدى التدخل وعن التضحية التي سيوافقون على أخذها على أنفسهم، في محاولة ليس فقط لتدمير العالم القديم حتى الأساس بل لبناء عالم جديد على حطامه.
إضاءة
ساركوزي
نيكولا ساركوزي لم يرغب في أن يقود من الخلف. أراد أن يتصدر الأمور. أن يركض إلى الأمام، بل وأحيانا بسرعة فاجأت حتى رفاقه الاوروبيون، وكذا رفاقه الفرنسيون، بل وربما حتى نفسه. كان هناك من عزا ذلك للطموح السياسي، وكان هناك من قالوا ان ساركوزي يريد ان يثبت لأوباما من هو الزعيم الحقيقي. مهما يكن من أمر، فان الأوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا وبريطانيا، قرروا أن يأخذوا المهمة على عاتقهم. وحصلت واشنطن على ما أرادت. الطائرات بلا طيار التي انطلقت إلى المعركة هي رمز مناسب للدور الذي اختاروه هذه المرة: بلا لمسة بشر، بمشاركة دنيا.
