في نهاية 2009، في ذروة المفاوضات على صفقة شليط، حين كان يخيل للحظة أن الوسيط الألماني سيحدث اختراقا، خطط الذراع العسكري لحماس لعملية اختطاف أخرى. خلية المخربين كان يفترض أن تتسلل إلى سيناء ومن هناك إلى إسرائيل، لاختطاف مواطن أو جندي وتهريبه إلى غزة. بالأمس القريب كرر التاريخ نفسه، بصيغة مختلفة قليلاً. في الوقت الذي كان فيه أحمد الجعبري، رئيس الذراع العسكري لحماس يجلس في القاهرة كي يدير محادثات على الصفقة، انطلقت على الدرب خلية مخربين من تحت أنف الحماسيين.

الشبكة التي قامت بالعملية الإرهابية في إيلات سُحقت في لحظة. خليط من المعلومات الاستخبارية الفائقة، التنفيذ الدقيق وقطرة حظ أيضاً، أدت إلى تصفية كمال نيرب ورفاقه في قيادة لجان المقاومة الشعبية. كانت هذه إحدى التصفيات ذات المغزى التي نفذها الجيش والمخابرات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. وكل الذين صُفوا هم من سكان رفح في جنوب قطاع غزة ممن كانوا يرتبطون جيدا بقادة الذراع العسكري لحماس في جنوب القطاع. ومعهم أخرجوا إلى حيز التنفيذ العملية في كرم سالم، التي اختطف فيها شليط.

في ضوء هذه العلاقة، والقرب الجغرافي، يطرح السؤال هل يحتمل أن تكون عملية إيلات نفذت دون علم رجال حماس. التقدير هو أن حماس، تماما مثلما ادعت أمس، لم تكن في سر الأمر. من الصعب التصديق بأن أحمد الجعبري كان مستعدا لأن يبقى في القاهرة، أمام قادة المخابرات المصرية، في الوقت الذي يخرق فيه مخربون غزيون السيادة المصرية وينفذون عملية بمثل هذا الحجم.

حماس، تماما مثل الجعبري، توجد الآن في ورطة. رغم المفاجأة، رغم أن التصعيد لا يخدم الآن مصالح المنظمة، فإنها ستجد صعوبة في وقفه. إذا ما بدأت الآن جولة ضربات بين إسرائيل ومنظمات الإرهاب، يمكن الافتراض بأن حماس ستنضم إلى النار.

بتعابير عديدة، أكثر راحة لحماس مما في الماضي الانطلاق إلى جولة كهذه من العنف انطلاقا من التقدير بأنها ستكون محدودة في حجمها: محادثات شليط لا تتقدم، المصالحة مع فتح عالقة و«احتفالات أيلول» في الشهر القادم تضع نقطة نهاية محتملة، من ناحية إسرائيل، التي لا تريد للتصويت في الأمم المتحدة أن يجري بالتوازي مع حملة واسعة النطاق في غزة.

ولكن، للأحداث المتدحرجة، بشكل طبيعي، توجد آلية خاصة بذاتها. منظمات الإرهاب الأصغر، مثل لجان المقاومة الشعبية، المتعطشة للانتقام، أو الجهاد الإسلامي، التي تدفعها ايران، تحوز اليوم على وسائل قتالية ذات مغزى، ففي حوزة المنظمات صواريخ لمسافات أطول من بئر السبع وكريات غات. إذا ما قرروا توسيع قطر الإصابة، مثلما فعلوا غير مرة في الماضي، فان إسرائيل وحماس بالتأكيد كفيلتان بأن تجدا نفسيهما في معركة أوسع مما توقعتا أو كانتا تريدانه.

في مثل هذا الوضع، سيكون من الصعب توقع رد الحكم المصري الجديد. من جهة، تتميز محافل الأمن المصرية غضبا من الإرهاب الفلسطيني، الذي يتجاهل تماما السيادة المصرية. ويتعزز الأمر في ضوء حقيقة ان الجيش المصري بدأ هذا الأسبوع بحملة واسعة النطاق ضد شبكات الإرهاب في سيناء. شبكة الإرهاب الكبيرة التي تسللت أمس عبر سيناء، هي صفعة على وجه الأمن المصري. من الجهة الأخرى، فان الرأي العام المصري، الذي يملي الآن السياسة، كما سيشهد حسني مبارك ونجلاه، سيطالب بالتدخل إذا ما عمل الجيش الإسرائيلي في صيغة مشابهة لـ «الرصاص المصبوب». يُخيل أن التحديات الأمنية التي جرى الحديث حولها بعد سقوط مبارك آخذة في الاقتراب.