السلام مع مصر، العمود الفقري في الأمن الإسرائيلي منذ ثلاثة عقود، لكنه أُصيب منذ أيام بشدة بسبب العملية الإرهابية في إيلات، السلام مثله مثل أي مصاب آخر في الهجوم الإرهابي في العربة، يستلقي في سريره في المستشفى في بئر السبع، وبقدر لا يقل عن ذلك مثل حسني مبارك، الذي يستلقي في المحكمة في القاهرة.

 

الجعبري في مصر

لم تستأنف حرب نشطة بين مصر وإسرائيل، ولا توجد أعمال عدائية، ولكن يوجد عداء وتوجد أعمال تنفذ بلا عراقيل من الأراضي السيادية لمصر.

شعار «الجيش الإسرائيلي ينزل إلى النقب» تلقى أمس معنى مريرا. فالجيش ينزل لصد أعمال تسلل من حدود برية سائبة الحدود الجوية غير مغطاة بأسرها بـ «قبة حديدية» وليس لدى الجيش ردا هجوميا مريحا. من الأفضل إلا نتأثر بالإعلان الحربي لبنيامين نتانياهو. تهديداته بمعاقبة من يمسون بالإسرائيليين لا تردع منظمات الإرهاب. فمن جاء للانتحار، لا تخيفه الكلمات، ولا سيما عندما تأتي على لسان من يبعث بمندوبيه للحديث، في القاهرة، مع قائد الذراع العسكري لحماس في غزة، أحمد الجعبري، الذي يقرر مصير جلعاد شليط. اغتيال مسؤولي لجان المقاومة في رفح الأربعة، الذين اثنان منهم كانا مشاركين في اختطاف شليط، يؤكد التساؤل لماذا يتحدث نتانياهو مع الجعبري بدلا من أن يحكم عليه بنهاية مشابهة.

 

خطأ المخابرات

ما حدث في إيلات لم يكن أمس قصورا استخباريا: كان خطأ في التقدير العملياتي. في قيادة المنطقة الجنوبية قدروا بأن الخلية ستتسلل إلى الأراضي الإسرائيلية في مكان ما على طول الحدود، بين المواقع المصرية وليس تحت رعاية واحد منها؛ وانها ستحاول الاستراق ليلا، وليس في وضح النهار؛ وأنها ستهاجم هدفا عسكريا كي تختطف جندياً. في شهر ابريل أدى خطأ مشابه إلى أن يتعرض باص مدني كان يسافر أمام غزة لهجوم بصاروخ مضاد للدبابات، في الوقت الذي حُظرت الحركة على المركبات العسكرية. فالدبابات يمكن تصفيحها لتوفير الحماية واتخاذ القرار متى وأي مركبة ترسل لأي مهمة. ولكن المازدا ليست مركفاه، ولن تكون «سترة ريح» لكل تويوتا.

يكفي الإرهاب أن تنجح عملية واحدة من بين عشرة يتم تنفيذها. لهذا لا يوجد لإسرائيل رد دفاعي أو ردعي كاف؛ والهجوم سيجر وراءه تصعيدا، نارا على بلدات الجنوب (والمركز) في الحكومة يأملون بالتأكيد أن تنتهي الجولة الحالية قبل بدء السنة الدراسية وخلفية عنيفة لخطوة الفلسطينيين السياسية في الشهر القادم. في مثل هذا الوضع، لا يمكن لإسرائيل إلا أن تخسر.

مبارك وسيناء

أكبر الخاسرين هي الأراضي الفاصلة في سيناء. مع تفكك حكم مبارك، وكذا تضعضع حكم بشار الأسد في سوريا، فقدت إسرائيل شريكا باردا ولكنه صلبا. مبارك هو الآخر وجد صعوبة في فرض إمرته على سيناء، ولكن من ورثه يتملصون من ذلك تماما. طالما كانت إسرائيل تسيطر على حدود غزة مصر فقد ساد قدر معقول من الأمن في الحدود الجنوبية بين رفح وإيلات.

ومع انه لا يوجد الآن جيش مصري يهدد إيلات، مثل «قوة الشاذلي» التي شكلت في مايو 1967 أحد المحفزات الأساسية لتقدير الجيش الإسرائيلي بأن لا مفر من الحرب؛ ولكن الربط الذي بين حماس، منظمات «عاقة» مثل لجان المقاومة والجهاد الإسلامي، حزب الله، إيران ومحافل إرهابية عالمية، خلق وضعا لا يطاق. إسرائيل لا تقف على قناة السويس أو على النيل. جارتها الفورية، مصر سيناء، هي دولة معادية، تسمح لأعدائها بمهاجمتها. القوة متعددة الجنسيات، بإدارة أميركية، عديمة الحيلة. هكذا ستكون أيضاً قوات الناتو، إذا ما أُرسلت إلى مهمات حفظ السلام.

 

القادم أسوأ

أول أمس شُيعت إلى مثواها، في كيبوتس ربديم، رحيل بتشرسكي، التي نجت من العملية الأولى في طريق العربة، في ابريل 1949، بعد شهر فقط من وصول الجيش الإسرائيلي إلى إيلات. في حينه تعرضت شاحنة للهجوم وقُتل ستة إسرائيليين. بعد ذلك كانت المذبحة في تلة العقارب وعدد لا حصر له من العمليات الأخرى. السلام مع مصر ومع الأردن جاء ليُحسن الفرص لتقليص عددها. بدون مبارك، مع حماس في غزة، مع ملك أردني قلق على بلده (ويقاطع نتانياهو)، مع إدارة أميركية لا تؤمن بتروي فكر حكومة إسرائيل، فان ما سيأتي من شأنه أن يكون أسوأ بكثير.

 

خطأ شارون

الخطأ الجسيم لأرييل شارون، الذي أضاف إلى الإخلاء المبرر للمستوطنات من قطاع غزة، ترك محور فيلادلفيا أيضاً، ربط غزة التي سرعان ما سيطرت عليها حماس بسيناء وبمصر. وهكذا تقلص منطق الملحق الأمني لاتفاق السلام الإسرائيلي المصري، التجريد الفعلي للمنطقة التي تعرض إسرائيل للخطر من غرب الحدود، من خلال تخفيف حجم القوات التي يُسمح لمصر بأن تدفع بها إلى مقدمة سيناء ومن خلال فصل الدولة المصرية عن الأراضي الفلسطينية، على الأقل إلى أن يقوم سلام إسرائيلي ـــ فلسطيني.