إذا واصل هذا الاحتجاج الذي تشهده المدن الإسرائيلية التملص من التصدي للمشكلة الحقيقية ــ الاحتلال ــ فانه لن يحقق الفكرة الكبرى التي ينطوي عليها. فهو فقط سيحقق المال إلى هنا وقليلا آخر إلى هناك. ولكن لن يغير اللغة، السياسة، قواعد اللعب وعلى أي حال ايضا لن يغير الواقع.
ممنوع اليأس
استيقظنا من الإحساس باننا أضعنا أنفسنا. من سنوات عديدة لم نعالج فيها أنفسنا. هجرنا الرغبة في التغيير، في الحديث، في الفعل، ووجدنا أنفسنا احياء ــ ونجلب الحياة ــ في دولة لا ترانا. لا نهمها حقا، منشغلة فقط في ظل نفسها. ونحن لم نضع تحديا امامها. لم نهز ولم نشك.
والآن نحن نهزها. نخيفها. نجبرها على ان ترانا، ان تلاحظ الازمات، الارادات، ومواقع الجمال لدينا. سيكون هذا صعبا عليها. فهي قوية جدا، منذ عقود عديدة وكلمات التضامن، الصداقة، الحب، المساواة لم تطلق. سيكون صعبا علينا ان نعلمها الحديث من جديد. فهذه ستبدو على لسانها متعثرة. ولكن محظور ان نتراخى. محظور ان نتنازل. محظور ان نتعب. محظور ان نتكاسل. محظور ان نيأس. «هذه يحصل مرة في الحياة »، قالت لي صديقة هذا الاسبوع. «هذه فرصة تأتي لمرة واحدة، قد تكون الاخيرة ». وهي محقة.
ميزان القوة
لا ريب أن الصرخة التي تصدر اليوم عن جادة روتشيلد هي من الصرخات العادلة. ولكن كيف يمكنها أن تحدث الثورة في الوعي، التغيير العميق والجذري في سلوك الدولة تجاه مواطنيها وسلوك المواطنين تجاه الدولة؟ كيف سيتغير سلم الاولويات؟ كيف سنعرف كيف نستبطن ونعبر عن التضامن والرأفة والحساسية والعدل، طالما كنا جزءا من دولة محتلة؟
وهذا ليس فقط لان الاحتلال هو ثقب أسود يبتلع كميات لا نهاية لها من اموالنا. بل اساسا لأنه طالما كان هناك، فان الدولة ملزمة بان تكون عنيفة، مغلقة الحس وفظة الروح والقلب، لغتها لغة القبضة. ومنتخبو الجمهور فيها يتحدثون بلغة الاحتلال، تحتلهم وتصبح لغتهم الحصرية. وعالم القومية الذي نعيش فيه يصبح عالما ذا نزعة قوة. عالما عدوانيا لنزال الايدي ومن يتراجع أولا. عالما تكون فيه كلمات مثل «العدالة الاجتماعية»، «التوزيع العادل»، «مساواة الفرص» و«الرحمة» تستقبل بالاحتقار وبالنفور. عالما يؤخذ فيه جندي بالقوة من عائلته ودولته، بل ورئيس الوزراء لا يفكر بانه يكفي المبرر الاخلاقي واليهودي لتحريره. إذ في مثل هذا العالم القوي وحده هو الذي يبقى.
العدالة والاحتلال
وماذا لكل هذا والعدالة الاجتماعية؟ لا شيء. الاحتلال والقوة هما الجانب المظلم من العدالة. من تتلوى في فمه كلمات مثل «تصفية»، «انتقام»، «محو»، «ترحيل»، «قتل» كالسكاكر المطاطية، لن يعرف كيف ينطق كلمات رحمة، ضمير وعدالة دون أن يشعر بانه داس على عربيد. اذا واصل هذا الاحتجاج التملص من التصدي للمشكلة الحقيقية ــ الاحتلال ــ فانه لن يحقق الفكرة الكبرى التي ينطوي عليها. فهو فقط سيحقق المال إلى هنا وقليلا آخر إلى هناك. لن يغير اللغة، السياسة، قواعد اللعب وعلى أي حال أيضا لن يغير الواقع. نعم، فترة معينة السياسيون سيتحدثون بطريقة مختلفة، ولكن سرعان جدا ما تعود القوة إلى الحكم ويعود العالم إلى عادته القديمة.
في منتهى السبت الماضي كان في تل أبيب ربع مليون شخص هتفوا: «عدالة اجتماعية». ولكن لا يوجد مجتمع عادل لا توجد فيه عدالة للجميع. اذا لم تكن عدالة تجاه الآخر أيضا، إذا لم تكن إمكانية غد عادل، فلن تكون عدالة على الإطلاق. ولتذهب الثورة.
كاتبة المقال
أنا صحفية مجندة. شاركت في المظاهرة في السبت الأخير في تل ابيب، هتفت «الشعب يريد العدالة الاجتماعية». في واقع الأمر لم تكن هذه صرخة. هذه كانت آه خرجت مني وكأنها من بطن إنسان بريء أطلق سراحه بعد فترة طويلة من حبس عابث. في هذه المظاهرة لم أكن صحفية. لم أكتب مقالا في الصحيفة، لم أبحث عمن أجري معهم لقاءات صحفية ولم أكن متهكمة ومتشككة. في هذه المظاهرة كنت مواطنة في دولة تحتل أراضي شعب آخر، ولهذا كنت أتصبب عرقا من الخجل.
