تُسمع في الشهور الأخيرة من خبراء بالشرق الأوسط وساسة ومحللين، آراء مختلفة عن تأثير الموجة الثورية التي تُغرق العالم العربي في مستقبل تنظيم القاعدة. والرأي السائد هو أن انتفاضة الجماهير في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ودول أخرى هي ضربة شديدة للقاعدة. ويعتمد هذا التقدير على فرض أن «الربيع العربي» الذي لم تشارك فيه القاعدة كما نعلم بنصيب، يعبر عن توق الجماهير في البلدان العربية إلى التحول الديمقراطي. والديمقراطية مصطلح يناقض تمام المناقضة تصور القاعدة العام، التي تراها صورة حكم تناقض قيم الإسلام وكما يقول قادتها «الديمقراطية هي الطريق إلى جهنم». والى ذلك وبعد عقدين من إعلانات قادة المنظمة بأنهم مصممون على الإفضاء إلى تغيير ثوري لنظم الحكم الكافرة الفاسدة في العالم العربي والإسلامي بالكفاح المسلح والجهاد والاستشهاد، والوعود بأن سبيلهم وحدها هي التي ستفضي إلى اسقاط نظم الحكم هذه، يبدو أن ذلك لا يستوي مع الواقع، ويعرض المنظمة بأنها غير ذات صلة بقدر كبير.

نريد بهذه المقالة أن نفحص هل الانتفاضات الشعبية في العالم العربي تشهد حقا بنهاية القاعدة، أم أن الواقع الجديد قد يصبح ارضا أخصب وأسهل لتحقيق استراتيجية نضالها، وتسهيل وجود نشطائها في هذه الدول ومساعدتها على تجنيد كوادر جديدة لصفوفها مع استغلال وضع الاضطراب في دول الشرق الاوسط، وللاجابة عن هذه الاسئلة يحسن أن نفحص عن تفسيرات من يزعمون أن «الربيع العربي» يبشر بنهاية القاعدة، وعن معنى هذه الأحداث بناءا على تصريحات قادة القاعدة ومؤيديها، عن تفهم تصورها الذاتي لهدفها وأن نقدر اعتمادا على ذلك كيف قد يؤثر الواقع المتشكل في مجال عملها في واقع الامر.

يرى كثيرون من الباحثين والمحللين الذين يحللون سلسلة الانتفاضات الشعبية في الشرق الاوسط، يرونها تعبيرا عن بدء نهاية القاعدة. ويزعمون أن «الربيع العربي» كان «اسوأ شيء وقع منذ أُسست المنظمة» وهو يوميء إلى «سقوط القاعدة». يمكن ان نلاحظ بين النشرات الكثيرة بهذا الشأن عددا من الدعاوى المركزية لهذا التقدير. أولا أن الاضطرابات الحالية في الشرق الاوسط تجري على الأكثر بطريقة انتفاضة شعبية غير عنيفة نسبيا وهو شيء كان «ضربة شديدة لخطاب القاعدة»، لأنه بخلاف طريق الارهاب الذي اقترحه رؤساء المنظمة، تعبر مظاهرات الاحتجاج الجماعية غير العنيفة عن «نفور من كل ما يمثله أسامة ابن لادن». وتعارض «كل ما تدعو اليه القاعدة».

وثانيا، تبين الشعارات التي قامت في مركز الانتفاضة المدنية الجماهيرية توق الجماهير في البلدان العربية إلى التحول الديمقراطي وهو مصطلح يناقض تمام المناقضة تصور القاعدة العام الذي يرى الديمقراطية مخالفة لقيم الإسلام لان طريقة الحكم هذه «لا تلائم أي أخلاق أو قيمة أو مبدأ»، فهي فعل يد الانسان وتعارض تصور السمو المطلق لله وتوحيده في قضاء الانسان وقدره.

وثالثا، بعد أن نددت القاعدة لأكثر من عشرين سنة بالمستبدين الفاسدين الذين قادوا الدول العربية والمسلمة، نهض الجماهير العرب وأسقطوا زعماءهم «من غير أن تلعب القاعدة دورا في الأحداث». توصف منظمات الجهاد العالمي بأنها تخلفت وأصبحت «غير ذات صلة» وأن «كل يوم من المظاهرات يُبين مبلغ كون فلسفة القاعدة غير ذات صلة». وقد زعم الرئيس اوباما ايضا بعد القضاء على اسامة بن لادن «أن القاعدة حتى قبل موت ابن لادن خسرت نضالها من اجل البقاء ذات صلة». ويزعم الباحث ريان جانكنز هو ايضا «أن أكبر تهديد للقاعدة في الأمد البعيد هو أن تصبح غير ذات صلة».