ناصر، مثل نابليون، سيخرج تاريخياً من حقيقته البشعة ويُعرض من قبل الثوريين الجدد في مصر كمقاتل حرية مثلهم، وهو كفيل بأن يُستخدم من المتظاهرين، الذين يحتاجون على نحو يائس لرمز ولزعيم. وهم سيصممونه على صورتهم وسيستخدمونه كي يصمموا مصر موديل 2011.

في ذكرى الثورة المصرية الأولى بعد أن أسقطت الثورة مبارك. الثورة في 23 يوليو 1952 وقعت بعد 30 سنة من نيل مصر استقلالها. 30 سنة كانت فيها مصر ديمقراطية، أُقيمت الأحزاب وتنافست فيما بينها. وبشكل غير علمي يمكن القول ان مصر كانت تشبه في حينه الأردن في السنوات الأخيرة: ملك مسيطر، برلمان ذو صلاحيات محدودة منتخب من الشعب، حكومة معينة من الملك وإعلام ذو قدر مكبوح من الحرية.

عدم الرضا العام نبع من أن الحكم كان يعتبر غير ناجع وفاسد، وقد اختُبر الأمر في المواجهة مع إسرائيل في 1948، حين تراجع الجيش المصري أمام الجيش الإسرائيلي الجديد. انعدام الراحة من العلاقات مع بريطانيا تعاظم في العام 1952 على خلفية المواجهة الكبيرة في الإسماعيلية، التي قُتل فيها خمسين شرطياً مصرياً على أيدي جنود بريطانيين. العزة المصرية تضررت بشدة.

جمال عبدالناصر، الروح الحية في عصبة «الضباط الأحرار»، عقيد ابن 34، إلى جانبه عناصر أخرى من خريجي حرب 1948، مثل أنور السادات، سيطروا بسهولة نسبية على مراكز الإعلام والقوة في مصر وتوجوا الجنرال محمد نجيب، ابن 51، «الراشد المسؤول»، في العصبة، رئيساً لهم.

ناصر غير مصر، وأقام فيها دكتاتورية عسكرية مع عبادة شخصية. ولكن بعد فساد الأسرة المالكة كان حكمه مثابة نسمة منعشة للكثير من الشباب الذين تماثلوا مع أفكاره الاجتماعية (الإصلاح الزراعي)، مع المشاريع الدراماتيكية التي قادها (وعلى رأسها سد أسوان)، مع أحلامه عن الوحدة العربية ومع رؤيا التأثير في إفريقيا. إخفاقاته العسكرية المدوية سواء في حملة السويس أم في الأيام الستة لم تنجح في أن تنزع عنه الهالة القيادية وإعجاب الجماهير به. ثمن الهالة كان عدد هائل من الضحايا. ناصر لم ينقذ مصر من الفقر ومن الفوارق الاجتماعية العميقة، لم ينجح في خلق ثورة تعليمية، لم يجلب إلى بلاده حلاً سياسياً، ولكن موته المفاجئ ترك فراغاً كبيراً وحنيناً من الصعب تفسيره.

بالنسبة لنا في إسرائيل، أبناء جيل الدولة، كان ناصر العدو الأكبر. وقد تنافس فقط مع هتلر في شتائمنا. موته في 1970 كان مفرحاً جداً لدرجة أن المقال الافتتاحي في صحيفة «دافار» دعا إلى عدم الفرح لسقوط عدونا. ومع الأيام، عندما زرت منازل أصدقاء عرب، من محبي السلام، ورأيت عندهم صورة ناصر، كان دوماً شيئاً في ظهري يقشعر. فهمت بأنه بالنسبة لهم كان هذا الرجل يرمز إلى شيء مغاير تماماً.

ولكن ما الذي يرمز له هو وثورة ضباطه الأحرار بالنسبة لمتظاهري ميدان التحرير؟ فهل يتضامنون مع الرجل الذي منع الأحزاب، منع كل بارقة حرية صحافة، قاد شعبه إلى حروب زائدة، وأنفق ميزانيات طائلة على الأمن بدلاً من الاستثمار في شعبه؟ هل ناصر هو بطلهم؟

الجواب سنراه غداً. يحتمل أن تكون هناك أصوات لاستبدال يوم ثورة الضباط بيوم ثورة الجماهير. يحتمل أن تكون حرية الصحافة وحرية تشكيل الأحزاب فرضية مضادة لدولة الشرطة التي أقامها ناصر.

ولكن من المعقول أكثر الافتراض بأن ناصر، مثل نابليون، سيخرج، تاريخياً، من حقيقته البشعة ويُعرض من قبل الثوريين كمقاتل حرية مثلهم. ناصر، كاريزماتي في موته وفي حياته، كفيل بأن يُستخدم من المتظاهرين، الذين يحتاجون على نحو يائس لرمز ولزعيم. وهم سيصممونه على صورتهم وسيستخدمونه كي يصمموا مصر موديل 2011.