صحيح حتى يونيو 2011 يبدو أن التغيير في مصر أقل مما كان متوقعاً عند وقوع المظاهرات الكبرى في ميدان التحرير. الرأي العام في مصر يريد ثلاثة أشياء: الانتقام من مبارك وعائلته؛ التمتع بحرية أكبر وتحسين الوضع الاقتصادي. الحكم العسكري القائم يعرف كيف يعطي الجمهور بسخاء وبتهكم أمنيته الأولى ــ الانتقام من مبارك؛ هذا الحكم يعرف كيف يعد ــ مع القليل من نية التنفيذ ـــ الأمر الثاني، المزيد من الحرية والديمقراطية الحقيقية، بل انه لا يعد حتى بالأمر الثالث ـــ تحسين الوضع الاقتصادي.

الوضع الاقتصادي سيكون على ما يبدو المشكلة الأساسية التي سيتصدى لها النظام القائم (أو أي نظام سيأتي بعد). فالاقتصاد المصري متعلق بأربعة فروع ترتبط مباشرة أو بشكل غير مباشر بالعلاقات مع إسرائيل: السياحة (بما في ذلك في سيناء)؛ تصدير الغاز؛ الأرباح من قناة السويس؛ والمساعدة الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة.

مشكلة الأمن

الحكم المصري لن يتنازل بسهولة عن استخلاص الأرباح من هذه الفروع الاقتصادية الأربعة. وهو لن يخاطر بإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل وان كان فقط بسبب الجوانب الاقتصادية، وبالأساس لن يرغب في أن يعرض للخطر شطب دين بمليار دولار، وعد به الرئيس الأميركي مصر ولا استمرار المساعدات العسكرية بمقدار 1.3 مليار دولار يتلقاها. إسرائيل يمكنها إذن أن تفترض، بأنه لن يطرأ تغيير جوهري في العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدولتين. ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل الموضوع الأمني. فمنذ اليوم يبدو وهن في السيطرة المصرية في سيناء. وينبغي الافتراض بأنه في كل ما يتعلق بتهريب السلاح إلى غزة، تسلل أشخاص من سيناء إلى إسرائيل بل وخطر إرهابيين يخرجون من مصر إلى إسرائيل، الوضع متفاقم ولكن هذه المسائل تحمل طابعاً تكتيكياً.

الموضوع الجوهري يتعلق بفرضية أساس رافقت إسرائيل في الـ 32 سنة الأخيرة وهي انه في كل سيناريو محتمل من غير المتوقع مواجهة عسكرية مع مصر. الأمر سمح لإسرائيل بالخروج إلى حربين في لبنان وتنفيذ عمليتين واسعتين في الأراضي الفلسطينية («السور الواقي» في 2002 و«رصاص مصبوب» في 2008) انطلاقاً من المعرفة بأن مصر لن ترد عسكرياً. وفضلاً عن ذلك، فإن ميزانية الأمن الإسرائيلية بقيت على ما يكفي من الثبات الحقيقي منذ العام 1974 وحتى 2011. فقد ازداد الإنتاج بقدر بارز في هذه الـ 37 سنة وبالتالي نصيب الأمن في الإنتاج، الذي كان 30 في المائة في العام 1974 انخفض إلى أقل من 7 في المائة في العام 2010. عبء الأمن في إسرائيل لا يزال عالياً بتعابير أوروبية، ولكن انخفاضه الكاسح منذ 1974 هو أحد العوامل الأساسية التي سمحت بالازدهار الاقتصادي لإسرائيل.

خطة حلميش

في الـ 32 سنة الأخيرة كررت المؤسسة الأمنية موقفها وأعرب أمام القيادة السياسية عن أن فرضية العمل في انه لن تكون مواجهة عسكرية مع مصر في المستقبل المنظور سارية المفعول إلى أن يشخص «تغيير استراتيجي» في مصر. سؤال الأسئلة على جدول الأعمال في هذا الوقت هو، هل ما حصل في مصر في الأشهر الأخيرة يشكل تغييراً استراتيجياً، يستدعي من إسرائيل أن تفحص ضمن أمور أخرى ميزانية الدفاع، حجمها وتركيبتها. والأمر يتعلق أساساً بمتغيرين باهظين للغاية في الميزانية ـــ حجم القوة المقاتلة (في البحر، في الجو وفي البر) ومستوى المخزون من الذخيرة، قطع الغيار والوقود. جواب ما على هذا السؤال سيعطى في الأشهر القريبة القادمة على خلفية إعداد خطة «حلميش»، الخطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي. إذا تقررت زيادة ملحوظة لأساس ميزانية الدفاع ينبغي الافتراض بأن الأمر سيؤدي إلى إبطاء للنمو الاقتصادي في إسرائيل.

بتقديري لا حاجة لأن ينفذ اليوم تغيير عميق في الفرضيات الأساس بالنسبة لمصر. حتى لو كانت سياسة مصر أكثر عداءً لإسرائيل مما هي في الحاضر، فإن الأمر سيكون قابلاً للتشخيص، وحتى لو صعد حكم كفاحي لا يستبعد مواجهة عسكرية مع إسرائيل، فإن الزمن الذي تحتاجه مصر لترجمة هذا النهج الجديد لخلق تهديد حقيقي، والعبء الذي سيتعين على الحكم أن يتحمله (التخلي عن المساعدات الأميركية) سيمنح إسرائيل ما يكفي من الوقت للاستعداد كما ينبغي للتغيير.