ما حصل في جنوب السودان ثمة معنى يتجاوز مصير الدولة الجديدة، التي لا بد ان مستقبلها لن يكون سهلا، في ضوء هزالها، وحقيقة أن ترسيم حدودها مع السودان لا يزال مفتوحا وكفيل بأن يتدهور إلى عنف جديد.

استقلال جنوب السودان هو علامة مهمة على الطريق في كفاح الشعوب الصغيرة للتحرر الوطني، والذي بدأ في بداية القرن التاسع عشر، مع حرب الاستقلال اليونانية ضد الامبراطورية العثمانية. استقلال اسرائيل كدولة القومية اليهودية، استقلال كوسوفو والاستقلال المستقبلي للفلسطينيين، كلها جزء من هذه الخطة.

اليونان وإسرائيل

الان، بعد عشرات من سنوات الكفاح ضد القمع المضرج بالدماء من جانب القيادة السودانية العربية والاسلامية في الشمال، حقق الجنوب الذي معظم سكانه السود مسيحيون أو وثنيون، ما كان يجدر أن يتحقق دون سفك دماء في العالم السليم، مع اسرة دولية أكثر ولاءا لمبادئها.

من هذه الناحية، دولة جنوب السودان هي حلقة اخرى في سلسلة الدول التي حظيت بالاستقلال في ظل ظروف معقدة. اليونان الحديثة نالت الاستقلال ليس فقط بفضل الرأي العام في اوروبا، الذي أيد المسيحيين في كفاحهم للتحرر من ظلم اسلامي، بل وأيضا لان هذه كانت مصلحة قوى عظمى، لبريطانيا وروسيا، في اضعاف الامبراطورية العثمانية. تأييد الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي لمشروع التقسيم واقامة دولة يهودية في بلاد اسرائيل نبع ليس فقط من الصدمة في ضوء رعب الكارثة، بل وأيضا من اعتبارات معقدة للسياسة الخارجية والسياسة الداخلية للقوتين العظميين.

تجربة هرتسل

هكذا ايضا في جنوب السودان: حقيقة أن قسما مهما من سكانها مسيحيون دفعت نحو ضغط جماعات بروتستانتية على حكومة الولايات المتحدة لالقاء ثقلها في حق تقرير المصير للجنوب. وكما يمكن ان نرى في احيان قريبة في العلاقات الدولية، لا تكفي الاعتبارات الانسانية لتحقيق النتيجة المنشودة من ناحية اخلاقية. اعتبارات السياسة والقوة ضرورية لان يتحقق في العالم الواقعي الامر المناسب من ناحية المعايير الاخلاقية.

في تاريخ الصهيونية كان هذا هرتسل هو الذي فهم بأنه بدون دعم القوى العظمى لن تقوم قائمة للصهيونية، وعليه فقد غازل القياصرة، الملوك وذوي النفوذ، السياسة التي اثبتت نفسها مع الايام في تصريح بلفور وفي قرار التقسيم. لا يكفي أن تكون محقا: يجب أن يكون لك دعم من القوى العظمى. هذا صحيح على نحو خاص للشعوب الصغيرة والضعيفة مثل اليونانيين، اليهود، الاكراد والان جنوب السودان.

لم يكن السودان مختلفا عن دول اخرى في المنطقة، حدودها ومجرد قيامها تقررا بشكل تعسفي من قبل الامبريالية البريطانية والفرنسية، بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الاولى. وهذا صحيح بالنسبة لكل دول المنطقة، باستثناء مصر الدولة العتيقة وعريقة التاريخ. بريطانيا وفرنسا رسمتا الحدود ووزعتا مناطق النفوذ بينهما، دون أي حساب لاحتياجات، تركيبة أو طبيعة السكان.

التحرر من الاستعمار

كل الدول التي اقيمت في المنطقة بعد أن تحررت من الظلم الاستعماري كانت مخلوقات مصطنعة، هندت حدوسدها دون مراعاة التاريخ المحلي، المبنى العرقي اوالديني أو المؤسسات السلطوية القائمة: سوريا، العراق، لبنان، الاردن، ليبيا والسودان في حدودها القائمة هي مخلوقات حديثة، ثمة قرارات امبريالية اوروبية.

المفارقة هي أنه عندما نالت هذه الدول الاستقلال، كانت من مصلحة حكامها المحليين سواء كانوا من سلالة ملكية أم دكتاتوريون لجمهوريات عسكرية الحفاظ على تلك الحدود، من مغبة أي تغيير كان كفيلا بان يجرها إلى حروب ونزاعات لم يكن ممكنا أن يحمد عقباها. هكذا أصبحت سوريا أو العراق اللذان لم يكونا قائمين كوحدتين سياسيتين في حدودها الحالية، وبالتأكيد ليس في عهد الحكم العربي الاسلامي في المنطقة دولتين منفصلتين.

أي من هذه الدول باستثناء مصر لم تكن دولة قومية بالمعنى الحديث للكلمة. ايديولوجيا القومية العربية، التي عرضت هذه الدول الجديدة كجزء لا يتجزأ من العالم العربي كانت صحيحة في جزء منها فقط. لكن على مدى عشرات السنين شكلت اداة مثالية شديدة القوة لقمع الاقليات الاكراد في العراق وفي سوريا، غير العرب في السودان.

كما أن الضغط المتواصل على لبنان، للسير في الخط العربي العام على حساب تميزه كمجتمــــع متعدد الاعـــراق ومتعدد الاديان، هو جزء من محاولة فرض هوية قومية عربية على مجتمع تعددي هو أكثر تعقيدا بكثير.