إن إعلان جنوب السودان استقلاله حدث تاريخي قد تكون له آثار حاسمة على مستقبل الشرق الأوسط. وقد يكون انقسام السودان الذي كان حتى الآن أكبر دولة عربية، إلى دولتين ــ مسلمة عربية في أكثرها في الشمال ومسيحية وعابدة أوثان في أكثرها في الجنوب ــ قد يرمز إلى بدء نهاية عصر تقسيم المنطقة السياسي على أيدي القوى الاستعمارية الماضية.

 

التقسيم الاستعماري

وفي الحاصل العام ليست السودان هي الدولة المصنوعة المتعددة الطوائف الوحيدة التي أنشأتها قوى أوروبية للحفاظ على مصالحها. وبرغم أن وجود إسرائيل وحده هو الذي يعرض على الدوام لأنه نتاج أيدي القوى الأجنبية الذي كان يرمي إلى أن يكون رأس جسر استعماري في جسد «الأمة العربية والمسلمة»، فإن أكثر دول المنطقة تدين بوجودها لتقسيم الشرق الأوسط الذي خططته في الأساس بريطانيا وفرنسا مطلع القرن الماضي عن انحلال الدولة العثمانية وهزيمتها. mاضطر سكان جنوب السودان إلى العيش أكثر من خمسين سنة تحت نظام حكم ارغام ديني وحضاري طاردهم وذبحهم ومنعهم من تحقيق حقوق أساسية. وقد جبت الحرب الأهلية الدامية التي نشبت بين النظام في الخرطوم وبين العصابات المسلحة المسيحية في الجنوب خاصة حياة اكثر من مليوني إنسان ومنعت تطوير الجنوب وجعلته من المناطق الأشد فقرا في العالم برغم كميات النفط الضخمة الموجودة فيه.

 

حقوق الأقليات

لا يختلف الوضع في السودان الذي حظي في العقد الأخير فقط بالانتباه الدولي المناسب، لا يختلف كثيرا عن الوضع الذي يسود أكثر دول الشرق الأوسط التي ما تزال تحكمها دكتاتورية دينية وثقافية، اسلامية وعربية لا تمكن ابناء الاقليات من تحقيق حقوقهم الانسانية الاساسية. سقط ابناء تلك الاقليات عشرات السنين تحت قهر سياسة العروبة والاسلمة التي كانت ترمي إلى تحقيق فنتازيا وجود «امة عربية». و«امة مسلمة». وكان ثمن تحقيق هذه الفنتازيا التي يؤمن بها من الناس في الغرب أكثر ممن يؤمن بها من الناس في الشرق، الاضطهاد المطلق لأقليات جرى التعبير عنه احيانا بابادتهم المادية. وقد جرى في السودان تعبير متطرف جدا عن سياسة الابادة هذه وهي التي يطلب بسببها رئيس السودان الحالي وعدد من الأعضاء الكبار في نظامه للمحكمة الدولية في لاهاي. لكن القضاء على الأقليات نفذ وينفذ على نحو منهجي في أكثر دول المنطقة واكثرها اعضاء في «الجامعة العربية» و«منظمة المؤتمر الإسلامي».

 

التمرد الشعبي

تشهد الردود المعادية في أنحاء الدول العربية لانشقاق جنوب السودان على الخوف الكبير من تحطم فنتازيا الوحدة العربية. ان حركة التمرد الشعبي على الحكم القائم في العالم العربي والتي يقدرها كثيرون في الغرب بانها «حركة تحول ديمقراطي»، تسهم في الاحياء المتكلف بهذه الفنتازيا الجماعية على نحو يثير العجب. ان خطاب «الربيع العربي»، الذي يتجاهل تماما الخروق الكبيرة بين بواعث حركات التمرد في دول الشرق الاوسط المختلفة وبين المطامح المتعارضة بعناصر التمرد يشهد على استمرار الرفض العنيد للاعتراف بتعقيد المنطقة الكبير وعلى ارادة قوية لابقاء حلم وجود «عالم عربي موحد» حيا. لكن التحول الديمقراطي الحقيقي إذا ما حدث حقا للشرق الأوسط، يناقض مناقضة مطلقة فكرة وجود «عالم عربي». في المنطقة. فالتحول الديمقراطي الحقيقي يوجب باعتراف بوجود جماعات أقليات دينية وثقافية وبحقوقها التامة. لا يستطيع التحول الديمقراطي الحقيقي ان يبني «ديمقراطية عربية» أو «ديمقراطية إسلامية»، لان هذه التعريفات تكمن فيها نواة تمييز يقع على الأقليات.

 

 

إضاءة

الهوية العربية والإسلامية

 

 

قد يكون السودان أول دولة في المنطقة تنقض عراها وتنقسم في طريقها للتفتيت، ولا شك أن هذه ستكون البداية، ان استقلال جنوب السودان سيقوي التوترات الداخلية في دول المنطقة الأخرى لكنه سيكون نموذجا أيضا لتحقيق الاعتراف بحقوق كثيرين من أبناء المنطقة في أن يكونوا مختلفين ويتحرروا من الهيمنة العربية والإسلامية الذي فرض عليهم زمنا طويلا جدا، لقد فرضت الهوية الإسلامية والعربية على الكثير من أبناء هذه المنطقة دون رغبتهم، وآن الأوان لأن ينال هؤلاء حقهم في تقرير مصيرهم واختيار الهوية المناسبة لهم.