في السياق الفلسطيني الداخلي تكمن العقبة الرئيسة للاتفاق، أي اتفاق، إن من يُجرون مع إسرائيل ــ مع الولايات المتحدة في الواقع ــ التفاوض غير قادرين على تجنيد اجماع فلسطيني على مصالحة تاريخية. يستطيع سلام فياض ان ينسب لنفسه لأول مرة في التاريخ الفلسطيني، صرف عناية مدهشا لبناء أمة لا لمواجهة عقيمة مدمرة مع عناصر خارجية. وقد أحسن أبو مازن فهم ضرر العمل المسلح الاستراتيجي وناضل في ظروف صعبة للابتعاد عنه. كلاهما يُصرف سياسة بنّاءة للمجتمع الفلسطيني ويدعمان سياسيا مكافحة الارهاب وعناصر متطرفة عنيفة. بيد أن مكانتيهما السياسيتين الضعيفتين لا تضمنان أن يسير الجمهور وراءهما عندما يحتاج الامر إلى تنازلات تاريخية في جوهر الرؤيا الفلسطينية. فهذه الاخيرة قائمة على سلب الدولة اليهودية شرعيتها منذ تم إنشاؤها وعلى طلب اعادة الساعة التاريخية إلى الوراء بواسطة طلب «حق العودة».
يستطيع هذا الجمهور أن يُسلم لحقيقة ألا تتحقق الرؤيا ما استمر الصراع، لكنه لن يُسلم للتخلي عنها في اطار نهاية الصراع هذا. وهو يستطيع أن يُسلم لحقيقة وجود إسرائيل المرفوض لكن لا لتثبيت الدولة اليهودية باتفاق «دولتين للشعبين»، إلى جانب دولة عربية فلسطينية. ويستطيع فياض وعباس أن يطلبا باسمه دولة في حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية بل الموافقة على تبادل أراض طفيف، لكنهما لن يستطيعا التخلي عن الجوهر. فالجمهور الفلسطيني يؤيدهما عندما يأتيانه بمليارات الدولارات وبمشايعة العالم وضغوط على إسرائيل. لكن فياض وعباس أنفسهما عالمان بحدودهما حتى في الضفة فضلاً عن ان يكون الحديث عن الشعب الفلسطيني في المناطق كلها أو بيقين عندما يتم الحديث عن أكثر الشعب الفلسطيني في اماكن الجلاء وبين اللاجئين. عندما تصبح الحدود غير واضحة لعباس، بل عندما يتم الحديث عن أمر تكتيكي بعيد عن تثبيت الانصراف عن «حق العودة» أو شرعية الدولة اليهودية، يتلقى من هذا الجمهور تذكيرا مؤلما فورا. هذا ما حدث مثلا عندما حاول أن يتجاوز الميزة الدعائية لتقرير غولدستون من اجل تقديم التفاوض الجوهري مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة.
ولما كان عباس وفياض عالمين بحدودهما فليس لهما ولمؤيديهما المباشرين في المرحلة الحالية اهتمام بإنشاء دولة فلسطينية باتفاق مع إسرائيل. إن تفاوضاً متقدماً يُمكّن من ذلك، مقرون بالكشف عن عجزهما السياسي حتى في الضفة، فضلاً عن القطاع وموافقة الناس في الجلاء. سيُفشل هذا العجز المشروع الوطني في النقطة التي تُلقى فيها المسؤولية على الفلسطينيين. فهم يفضلون أن يعلق التفاوض في المرحلة التي هو موجود فيها الآن ــ أي المرحلة التي تُلقى فيها التبعة على إسرائيل، وهم يستمتعون بالأفضل في جميع العوالم: فالفلسطينيون يحظون بموالاة العالم كله، وتُدفع إسرائيل إلى دفاع استراتيجي عن نفسها وتضعف شرعيتها الأساسية. في هذه المرحلة لا يجب عليهما وعلى الشعب الذي يمثلانه تحمل مسؤولية عن إدارة دولة بائسة متنازعة، بل يستطيعان أن يقوما مقام الضحية الوحيدة ويعيشا على حساب آخرين. من حسن حظهم أنه لا يجب على القادة الفلسطينيين أن يقلقوا للكشف عن هذا الواقع. فقد تبنى الرئيس اوباما سياسة تُعفيهم من الحاجة إلى مفاوضة إسرائيل مباشرة. وجعل الأوروبيون أمر الدولة الفلسطينية أمراً فوق سياسي يشبه الأسطوري، ويوجهون ضغوطهم كلها على إسرائيل. وفي مصر خُلع الرئيس مبارك الذي أيد تسوية. وسهّل رئيس الحكومة نتانياهو عليهم أن يتهربوا من الحاجة إلى التوصل إلى قرارات صعبة عندما تبنى سياسة قصيرة الرؤية في مواجهة سياسة الرئيس اوباما الغامضة، وفي محاولة ليتهرب هو نفسه من قرارات صعبة في إسرائيل. والنتيجة التناقضية هي أن عدم التقدم نحو دولة فلسطينية يضغط على إسرائيل أكثر مما يضغط على الفلسطينيين.