عمق التقارب بين إيران وتركيا في السنين الاخيرة يشكل تغييراً حاداً، قياساً بالريبة التي ميزت في الماضي العلاقات بين الدولتين، ولا سيما في السنين التي تلت الثورة الإسلامية في إيران. ليس للدولتين مطالب مناطق بعضهما من بعض ويُكثر الأتراك والإيرانيون في التصريحات العلنية تأكيد حقيقة انه قد ساد هدوء على الحدود بين الدولتين منذ أكثر من 400 سنة. والى ذلك اتسعت جداً العلاقات التجارية بين الدولتين وبلغت مقداراً يزيد على 10 مليارات دولار، وأعلن ممثلون من الدولتين طموحهم إلى مضاعفة حجم التجارة بينهما في السنين الخمس القريبة ثلاثة أضعاف. وتزن الدولتان ايضاً امكانية التوقيع على اتفاق تجارة حرة. بل إن الدولتين تتعاونان على نضالهما ضد الأكراد أكثر مما كان في الماضي.

عوامل التقارب

ينبع التقارب بين إيران وتركيا من عدة عوامل. أولاً، في السنين الاخيرة يحث وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو سياسة «صفر من المشكلات» من تركيا نحو الدول التي تحاذيها. على حسب هذه السياسة، يجب على تركيا ان تعمل في تصميم لحل مشكلاتها مع جاراتها ولتشجع الاستقرار في المناطق التي تجاورها. وعامل آخر هو تأثيرات تدخل الولايات المتحدة في العراق في سنة 2003. وكما سنوسع الحديث في ما بعد، ليست إيران وتركيا مهتمتين بنقض عُرى العراق. أفضت العمليات الأميركية في العراق إلى موجة مشاعر معادية لأميركا عند الجمهور في تركيا، ويتعلق ذلك بالعداوة للولايات المتحدة التي تسود إيران. يحكم تركيا اليوم حزب ذو توجه إسلامي، وهو أمر أسهم في ان تركيا لا تخشى تطوير علاقات بالنظام الشيعي في إيران.

العامل الاقتصادي

وهناك عامل مهم آخر هو الاقتصادي. فتركيا هي الاقتصاد الخامس عشر في حجمه في العالم، واحتياجها إلى تكبير أسواق تصديرها واحتياجاتها من الطاقة المتنامية أفضت بها إلى توثيق العلاقات بدول كانت لها بها في الماضي علاقات ضيقة جداً. ومن وجهة نظر إيران، يُمكّنها دفء العلاقات بتركيا من مواجهة بعض التأثيرات السلبية للعزلة الدولية والعقوبات التي فُرضت عليها على أثر تقديمها برنامجها الذري، ويلائم بعض سياسة أنقرة سياسة إيران المعادية لإسرائيل.

برغم نقاط الاتصال هذه، يوجد ايضاً احتمال اختلاف بين الدولتين، بل نشوء تنافس في الهيمنة الاقليمية مع مرور الوقت. وقد توجد اختلافات في الرأي بين تركيا وإيران. إن التعرف إلى نقاط الاختلاف هــــــذه مهم من اجل الفحص عن السؤال: هل يمكن ان ينشأ محور إيراني تركي قد يكون تهـــديداً حقيقياً من وجهة نظر إسرائيل، وما هي نقاط ضعف ذلك المحور؟

ينبغي ان نذكر أولاً انه برغم التطورات في الساحــــة الداخلية وفي السياسة الخارجية لتركيا، ما يزال يوجد اختلاف أساسي بينها وبين إيران. فتركيا تجـــــري عليها في الحقــــيقة عمــلية أسلمة عميقة لكنها دولة ذات أكثرية سنية ونظام ذي خصائــــص ليبرالية، أما إيران الثورية فهي دولة أصولية شيعية دينية في أساسها.

العلاقات بالغرب

وثانياً، تتصل تركيا صلة وثيقة بالغرب وبالولايات المتحدة، وذلك خاصة لكونها عضواً في حلف شمال الاطلسي منذ سنة 1952 وهي عضو مؤسسة في الـ «جي 20» ولها اتفاقات متعددة الأطراف وثنائية الأطراف مع دول في الغرب على شؤون مختلفة. وثالثاً، ترى الدولتان نفسيهما، لأسباب تاريخية وجغرافية ومادية، قوتين اقليميتين على الأقل، وهو شيء قد يزيد على مر الزمن التنافس بل ربما يفضي إلى عداوة ظاهرة بينهما. والى ذلك ما تزال تركيا شريكة رئيسة للغرب في عدد من الجبهات المهمة: ففي العراق لها دور مركزي في حل القضية الكردية؛ وفي افغانستان ــ الولايات المتحدة معنية بأن تزيد تركيا باعتبارها عضواً في حلف شمال الاطلسي مشاركتها؛ ولتركيا في الشأن الذري الإيراني مصلحة أساسية في منع إحراز إيران للقدرة الذرية. خلال الثورة في مصر وفي ليبيا ايضاً، كانت توجد قناة اتصال بين رئيس الولايات المتحدة براك اوباما ورئيس الحكومة اردوغان، لتنسيق مواقف الدولتين. من هذه الجهة حتى لو أصبحت تركيا اليوم لاعبة أكثر «استقلالاً» مما كانت في الماضي، فإنه ما تزال لها صلة مهمة بالغرب، وللغرب برئاسة الولايات المتحدة اهتمام بتنمية هذه الصلة.