حظيت البرازيل بزعيم بالغ الإخلاص والاحترام.. تولى رئاسة الجمهورية في برزيليا على مدار السنوات الثماني المنصرمة وهي أمد فترتي الرئاسة حسب دستور البلاد، والأصح أن لم يتوان هذا الزعيم وهو الرئيس «لولا دا سيلفا» عن إعلان الحرب على الفقر بالذات، منطلقا في هذا الخصوص من رؤية ثاقبة بقدر ما كانت صائبة ولأنها تربط بين الفقر والجريمة، وبين العوز الاقتصادي والانحراف السلوكي.
مجموعة بريكس
وفي ضوء هذا كله استطاعت البرازيل على مدار السنوات المنقضية من أول عقود القرن الحادي والعشرين أن تتحول من خانة الدول الاقتصادات النامية، وهي كما نعلم بالغة الكثرة في طول عالمنا وعرضه، إلى حيث تمكنت البرازيل من الدخول إلى خانة جديدة أفضت بأوساط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسائر منظومة الاقتصاد العالمي إلى تصنيفها ضمن المجموعة الواعدة التي اصطنعوا لها المصطلح التالي: مجموعة بريكس
وهي تركيبة مسبوكة من الحروف الانجليزية الأولى لأسماء دول هذه المجموعة وهي على وجه الترتيب:
البرازيل + الهند + الصين + روسيا
وكان أن حملت هذه المجموعة صفة الاقتصادات الناشئة بمعنى الصاعدة أو فلنقل الناهضة أو الواعدة بحكم ما نجحت في إحرازه من منجزات في مضمار التحولات المشهودة في مجالات الاقتصاد والتنمية الإنسانية والتصنيع الثقيل.
لوا نوفا
وعندنا أن أول معالم هذا الطريق المبشر إنما تتمثل فيما ألمحنا عاليه في صدر هذا المبحث وهو: قيمة العمل.
يستوي في ذلك الرجل والمرأة.. فيما يساعد هذا النهج على تكريس وتفعيل هذه القيمة جهود منظمات المجتمع المدني في البرازيل.
هنا يصبح الحديث عن جهود منظمة أهلية برازيلية تحمل الاسم التالي: لوا نوفا، ومعناها في البرتغالية- لغة أهل البلاد هو: القمر الجديد.
«لوا نوفا» هي منظمة المجتمع المدني التي بادرت إلى إنشائها «راكيل باروس» الاخصائية البرازيلية في علم النفس التي ارتأت يوما أن تتحول عن الاكتفاء بممارسة مهنتها سواء بين الكتب والمراجع السيكولوجية، أو في عيادات التحليل النفسي. إلى حيث قررت أن تضفي طابعا عمليا ومؤسسيا يكفل سبل الاستمرار لكل ما يبذله المثقف أي مثقف من جهود.
وهكذا ولدت مؤسسة «لوا نوفا» التي تقصد بالذات إلى انتشال الفتيات والنساء في مدن البرازيل وأريافها من وهدة الفقر وجنوح الجريمة ومهاوي الانحراف إلى أسلوب حياة أفضل وأجدى فائدة وأقوم أخلاقا بحيث تكفل للمرأة الفتاة الفقيرة رزقا لليوم وأملا في الغد.. وبحيث يتم هذا كله بفضل العمل.
ساندرا عاملة بناء
نشرت الكاتبة «أنّا ارنا» (جريدة الجارديان الانجليزية، عدد 28/6) مقالا عن تجربة امرأة برازيلية شابة اسمها «ساندرا دي سوزا» أفادت من رعاية المؤسسة التي أتاحت لها أن تقتحم غمار حرفة بالغة المشقة مقصورة على الرجال، أو تكاد تكون.
إنها حرفة البناء والتشييد، حرفة التعامل مع الطوب، القرميد وغبار الأسمنت ومشقة الجهد المتواصل المبذول في الصعود أو الهبوط بين جنبات المباني التي يقوم العاملون ومن ثم العاملات على تشييدها.
وبديهي أن كانت عاملات البناء في البرازيل أمرا مستجدا وربما غريبا على أسواق العمل في تلك البلاد، لقد اعتادوا على أن تعمل المرأة في مهن معينة من قبيل الحياكة، أو التجميل، أو التنظيف، أو التمريض ما إليها، لكن ها هي «ساندرا» التي لم تكد تتجاوز الحادية والثلاثين وهي تؤدي عملها المجهِد الشاق دون أن تأبه لما يصدر عن البّنائين الرجال من إشارات وتلميحات السخرية في بعض الأحيان.. بعضهم كان يسخر من يديها وقد طالت أظافرها المزينة بطلاء المانيكير، وها هي ترد على نافذها بغير وجل قائلة: هاتان اليدان مثل يديك تماما يا عزيزي بل هما الأفضل في بعض الأحيان.
وتعلق الكاتبة «أنّا ارانا» قائلة بدورها: « ساندرا معها الحق.. لأنها استطاعت أن تبني لنفسها ولأولادها بيتا وسهرت على تشييده وحدها لبِنَة من بعد أخرى».
وتمضي الكاتبة المذكورة لتحكي لقارئي «الجارديان» حكاية ساندرا التي لا تكاد تختلف عن 60 امرأة مثلها فتحت كل منهن عيون طفولتها الأولى فإذا بأهلها يدفعونها إلى حياة التسول والتشرد والضياع في الشوارع.
حياة الاستقامة
واحدة منهن اسمها «فابيانا غوميز» (31 سنة) تسرد حكايتها المؤسية فتقول: «كان والداي مدمني مخدرات، أمي كانت توسعني ضربا إذا عدت من نهار التسول خاوية الوفاض، وأبي كان قاتلا محترفا، كنت في السادسة من العمر حين راقبته وهو يغتال رجلا، ساعتها كنت أقضم قطعة بطاطا مقلية ومازال مذاقها في حلقي حتى الآن، ولا أريد لأطفالي أن يصادفوا يوما هذا المصير».
من جانبها أيضا تحكي «راكيل باروس» استاذة علم النفس عن بدايات المشروع.. فتوضح كيف بدأت مؤسستها بالاتصال مع مدرسة التدريب الصناعي كي يفسحوا مجالا لنساء وفتيات يرغبن في التحول إلى حياة الاستقامة من خلال العمل في حرفة يتعلمنها، وكم شهدت المراحل الأولى من المشروع ضروب السخرية والاستخفاف إلى حد الإهانة الموجهة من طلاب المدرسة إزاء النساء الراغبات في تعلم مهنة مثل حرفة تشييد المباني التي مازال متصورا أنها حكر مقصور على الذكور.
مع ذلك فقد أثمرت سلوكيات الإصرار وتخرجت 20 امرأة وقد اكتسبن مهارات دفعت بهن إلى سوق العمل وخاصة ما يتعلق بتقنيات المباني مثل أعمال السباكة والمرافق الصحية والنقش والطلاء ومد شبكات الأسلاك وتركيب الطبقات العازلة وما إلى ذلك بسبيل.
هنالك عمدت استاذتهم أو عميدتهم إلى إنشاء مصنع ملحق بالمؤسسة يقمن فيه بتصنيع قوالب القرميد التي استخدمنها في بناء منازل شكلت مأوى نظيفاً رغم بساطته ولأول مرة في حياة كل منهن وما تبّقى من فائض المصنع كان يباع لحسابهن في السوق.
صديق البيئة
ورغم تواضع النجاحات التي تحققت، فإن النجاح كفيل بأن يولد المزيد من الثقة في النفس بقدر ما أنه جدير بأن يستخرج أفضل ما في الإنسان العادي البسيط من إرادات وطموحات وعزمات.
هكذا عادت عمليات البيع بمبالغ مهما بلغ تواضعها من الأموال التي أعيد استخدامها في شراء ماكينات جديدة استخدمت من أجل تنويع وتسريع إنتاج لبنات الطوب.
وهكذا بلغ مجموع طلبيات الشراء كما تقول المقالة التي نحيل إليها - 60 ألف وحدة من القرميد، ولأن صاحبة الفكرة هي سيدة مثقفة واعية وملتزمة في الأساس، فقد جاء حرصها على مراعاة أحوال البيئة وتقليل حالات تلويث الأجواء ما استطاعت إلى ذلك سبيلا وهذا ما جعل محللي التجربة يطلقون على مصنع الطوب إياه الوصف التالي: إيكو فرندلي.
بمعنى صديق للبيئة.. وبمعنى أنه لا ينجم عنه من أسباب التلوث البيئي سوى أقل القليل.. لماذا؟.. لأن تصميم اللبنات المتحصلة راعَى في حجمها ونعومتها وإجادة صنعها أن تتداخل مع بعضها البعض بأقصى قدر ممكن من التوافق والانسجام كي تشكل جزء من البناء المنشود ومن ثم لا تحتاج سوى لأقل القليل من كميات الأسمنت وما في حكمه من المواد التي تسبب تلوث بيئة الهواء المحيط.
احتراف ومهارة
وربما كان هذا الملمح هو الذي شجع راعية المشروع البرازيلي راكيل باروس كي تقول:
- من نتائج التجربة أن قررت بعض النساء والفتيات أن يتفرغن تماما لاحتراف مهنة البناء والتشييد ودخلن سوق العمل، وفي البداية كان أصحاب الأعمال يستخدموهن من باب الشفقة ليس إلا ثم كانوا يعطوهن أجورا تقل عن النظراء من الذكور. ولكن مع تطور الأحوال.. أصبح الناس يوصون باستخدام هذه النوعية من العاملات الماهرات بفضل ما أصبحن يتميزن به حتى عن الرجال من دقة في الأداء وعناية في التنفيذ وحسن تنظيم وقت العمل والتزام بمواعيد الحضور والانصراف.. وهذا ما فتح أمامهن أبواب شركات التشييد الكبرى.
بل زادت التجربة توسعا كما تشير الدراسات ذات الصلة حيث تحولت الأنشطة إلى التدريب على المشاريع المدرّة للدخل ومنها مثلا تنظيم دورات لتعليم صناعة المعجنات من أنواع الخبز والكعك والشطائر ومنها أيضا دورات تعليم الحياكة التي تنتج فيها النساء الملابس اللازمة لكسوة الدمي وعرائس الأطفال.
الطموح للأفضل
ورغم تواضع العوائد المالية من مثل هذه الأنشطة إلا أن الهدف المتحقق هو الارتفاع بحياة المرأة في البرازيل حتى لا ننسى عن مهانة التسول ومذلة السؤال، وهو أيضا صون المرأة والفتاة هناك عن السقوط في براثن الرذيلة والمخدرات وحياة التسيّب والانحراف، وهو أيضا العزف على وتر إيجابية السلوك وعفة المقصد داخل الإنسان السوّي الذي لا يريد سوى فرصة عمل شريف وفرصة اعتراف بالجدارة وفرصة تتيح للإنسان، سبل العمل المنتج والسلوك الجاد والنهج المستقيم.
والأكثر من هذا كله.. هو ما تخلُص إليه دراسة الكاتبة «أنّا أرانا» حين تلاحظ بحق أن من نساء هذه التجربة البرازيلية ما لم تعد مكتفية بمجرد كسب الرزق وعفة النفس.. مثل هذه التجارب من تكريس قيمة العمل وإتاحة فسحة الأمل أمام البشر، كفيلة بأن تذكي فضيلة الطموح إلى الأفضل والأرقى في الإنسان.
الدراسة تحيل إلى «ساندرا» عاملة البناء الثلاثينية التي بدأت تفكر في مراحل مقبلة وطموحة من حياتها وتقول:
- عندما جئت إلى هنا تصورت أن مؤسسة «لونا نوفا» هي الفردوس الموعود. إذ كان ما أطمح إليه هو بيت آوي إليه.. لكنني أصبحت أريد أشياء أخرى، بعد أن عرفت السبيل إلى تنفيذ ما أريد.. أنا أفكر أحيانا في أن أذهب إلى مدينة ساوباولو وأصحب برفقتي كل العائلات التي يعيش أفرادها في شوارع تلك المدينة.. ولا يفارقني الخاطر الذي يقول إن بوسعي أن أغير حياتهم تماما بقدر ما استطاعت الأستاذة «راكيل باروس» أن تغير حياتي.. إلى الأفضل بطبيعة الحال.
شعب فقير يبني وطناً عظيماً
وسط أنواء السياسة العالمية وفي خضم الأحداث المثيرة التي تحوز أكبر اهتمامات الناس.. تلوح أحيانا معالم قصص تدور حول بسطاء الناس، لا في مجتمعات الدول الكبرى التي تتردد أخبارها في الصباح والمساء.. ولكن في أقطار مثل البرازيل التي ظلت في عداد الدول النامية التي يواجه كثير من أفراد شعبها مشاكل الفقر وتدني المستوى الاقتصادي إلى أن استطاع رئيسها السابق «لولا داسيلفا» أن يتحّول بها خلال السنوات الثماني المنصرمة إلى أن أصبحت البرازيل حسب تصنيف المنظومة المالية الدولية عضوا في مجموعة الاقتصادات الواعدة الناهضة التي تحمل اسم (بريكس) وتضم مع البرازيل كلا من الهند والصين وروسيا.
وفي ضوء هذه الجهود التي تستهدف الارتقاء بمستوى ونوعية حياة المواطنين الفقراء في البرازيل.. سُلطت الأضواء مؤخرا على جهود «لوا نوفا» أو «القمر الجديد» وهي إحدى منظمات المجتمع المدني هناك وقد تولت أمرها اختصاصية في علم النفس وعمدت إلى انتشال النساء والفتيات الفقيرات من حياة التسول والضياع في شوارع المدن وهو ما يوصل باستمرار إلى مهاوي التشرد والانحراف والإدمان، وبحيث كفلت المؤسسة المذكورة سبل تعليمهن وتدريبهن على حِرَف ومهن يمكن أن ينافسن فيها الرجال، ومنها مثلا حرفة البناء والتشييد بكل شظفها وقسوتها حيث كان المهم هو الإفادة مما يمكن أن تتصف به المرأة من دقة الأداء والتزام المواعيد واحترام قيمة العمل المنتج الشريف وإثارة نزعة الطموح إلى الأفضل في نفس الإنسان.
ولما كان نبي الله داوود يأكل من عمل يده، ولما كان العمل هو أنبل قيمة تجّمل الإنسان بوصفه مكلفا من جانب خالقه عز وجل بعمران الأرض واستثمار مواردها وإمكاناتها يصبح احتفالنا بقيمة العمل أمرا مطلوبا أو مندوبا إليه كما يقول الفقهاء، فما بالنا عندما يكون العامل الكادح هو امرأة تكدح لتكسب رزقها ورزق ذرية من أطفال صغار ضعاف كي تكف نفسها وأطفالها عن ذل السؤال، وما بالنا عندما تجمع المهنة التي تختارها المرأة بين المشقة والمهارة ومصلحة المجتمع في آن معا.
تلك هي المعالم الأساسية التي نتوقف عندها في هذه السطور، ونحن نعرض لتجربة إنسانية من البرازيل، لها دلالتها التي تجسد وشائج العلاقة الايجابية التي جمعت بين جهود العمل الأهلي أو المجتمع المدني كما أصبح يدل عليه المصطلح الشائع حاليا، وبين مقتضيات ومطالب الحياة في دولة ربما تعد أحوالها من أقرب ما يكون إلى أحوال أقطار كثيرة في العالميْن العربي والإسلامي على السواء.
نتحدث عن البرازيل الدولة الكبيرة في قلب قارة أميركا اللاتينية، وهي تحوي العديد من الأقوام من ذوي الأصول الاثنية المختلفة، فيما ظلت تعاني على مدار عقود خلت من وطأة الفقر وخاصة بين صفوف سكانها الأصليين هنود أميركا الجنوبية الذين يعيش معظمهم في غابات حوض نهر الأمازون الغابات المطيرة على نحو ما يعرفها به خبراء القضايا الأيكولوجية والمشاكل البيئية في عالمنا، وهناك أيضا سكان الأحياء العشوائية في مدن البرازيل، وفي مقدمتها مثلا كبرى حواضرها: ريودي جانيرو، وأغنى مدنها، ساو باولو ثم عاصمتها الرسمية المحدثة.. برازيليا وغيرها.
