إيال زيسر ــ جامعة تل أبيب
حظيت الحرب التي جرت في صيف 2006 بين إسرائيل ومنظمة حزب الله بألقاب وأسماء كثيرة، ويبدو أن تسمية هذه الحرب ــ كما اقترح عدد من المحللين اثناء المعارك ــ حرب إيران ــ إسرائيل الأولى، أصح. أجل، كانت هذه الحرب في واقع الأمر نتيجة أزمة الوجود الذي نجحت إيران في إقراره على سواحل البحر المتوسط، والذي أفضى لأول مرة إلى حرب شاملة حاربت فيها منظمة تعمل بإلهام إيراني ومسلحة بسلاح إيراني، حاربت إسرائيل.
العراق ولبنان
إن الوجود الإيراني في لبنان، ومبلغ تأثير إيران الكبير في منظمة حزب الله بل ربما سيطرتها عليها، وقدرتها على بعث هذه المنظمة على العمل باسمها ومن اجلها ــ كل ذلك أصبح حقائق أساسية عرّضت الجميع للخطر وفيهم إسرائيل ايضاً. مع ذلك، السؤال الذي بقي مفتوحاً هو هل يؤدي وجود إيران في لبنان وسيطرتها على منظمة حزب الله في المستقبل بدولة لبنان كلها إلى ان تكون دولة تابعة لإيران تُمكّن إيران من حرية عمل مطلقة على ارضها كلها ومع سائر القوى التي تعمل فيها.
تناول رئيس سوريا بشار الأسد هذا السؤال على نحو مفاجئ ومن زاوية خاصة في اثناء مقابلة صحفية أجراها في مطلع سنة 2010 مع الصحيفة العربية «الحياة» طُلب فيها منه ان يقارن بين مبلغ تأثير إيران في العراق ومبلغ تأثيرها في لبنان. ينبغي أن نفترض ان من جملة الاسباب التي دعت إلى ان يُسأل الاسد في ذلك حقيقة ان سوريا سبقت إيران باعتبارها مُنصبة الملوك في الساحة اللبنانية وأن إيران استغلت ضعف سوريا ودفعها عن لبنان استغلالاً كبيراً لتحل محلها هناك. قدّم بشار الاسد جواباً لم يكن متوقعاً كثيراً، لكنه مفهوم ايضاً لمن يعرف العلاقات السورية الإيرانية معرفة عميقة ويعرف مطامح سوريا في لبنان ايضاً.
رأي الأسد
لم يكن رئيس سوريا قادراً في جوابه على ضبط نفسه عن ارسال سهم نحو إيران محاولاً ان يُبين لها الخطوط الحمر التي لا تكون سوريا مستعدة للسماح لها بتجاوزها، فبيّن ما يلي:
«لا يمكن المقارنة بين ما يجري في العراق وما يجري في لبنان. ولهذا لا يمكن أن نقارن ايضاً بين الدور الذي تلعبه إيران في العراق، وذاك الذي تريد أن تلعبه في لبنان. فضلاً عن ذلك تختلف الصلة الجغرافية بين سوريا ولبنان تمام الاختلاف عن الصلة بين إيران والعراق. لهذا يمكن ان نقول إن إيران لا تُدخل نفسها في التفاصيل في السياق اللبناني، بل تنظر على نحو عام من أعلى لما يجري وتشغل نفسها بالاشياء الكبيرة فقط. ما يهمها هو الحفاظ على المقاومة. في مقابل هذا، تعرف سوريا التفاصيل الصغيرة في الساحة اللبنانية وتشغل نفسها بها وتعرف أدق التفاصيل معرفة أفضل كثيراً من إيران، لأن لها تجربة عشرات السنين في الانشغال بالقضية اللبنانية».
قد يكون بشار الأسد، ومعه سوريا كلها، تأخر كثيراً عن القطار الذي خرج من المحطة منذ وقت، وأنه سيصعب عليهما جداً، إذا استطاعا أصلاً، أن يُعيدا التأثير الذي كان لسوريا في لبنان سنين طويلة وأن يدفعا قدمي إيران عنه.
استقبال نجاد
مع ذلك ربما تكون المعركة على لبنان لم تنته بعد، ويمكن ان يكون ما يبدو هيمنة إيرانية على لبنان ليس آخر الفصل، وليس الصورة الكاملة التامة. شهدت على ذلك الزيارة التاريخية (وينبغي أن نقول الهستيرية شيئا ما ايضاً) لرئيس إيران محمود احمدي نجاد للبنان في شهر تشرين الاول 2010. استُقبل الرئيس الإيراني بتكريم ملوك على أيدي ناس حزب الله ولافتات خوش أمديد (أهلا وسهلا باللغة الفارسية) غطت الطرق المفضية إلى المناطق الشيعية في بيروت وفي البقاع وفي جنوب لبنان. لكن الزيارة كشفت ايضا عن الاختلاف داخل لبنان في مسألة الوجود الإيراني في الدولة وتأثيره. لم يحجم لبنانيون كثيرون في المعسكر السني بل في المسيحي عن اعلان أن احمدي نجاد ليس ضيفهم ولا يريدونه، وهكذا حُددت زيارته في المناطق الشيعية فقط.
