قبل نحو سنتين زار دمشق شخصية رفيعة المستوى من دولة غربية كبرى للبحث في تحسين العلاقات. في نهاية القسم الرسمي من الزيارة دعا الرئيس السوري، بشار الأسد، الضيف إلى وليمة عشاء حميمة مع الزوجتين. جلسوا وتحدثوا حتى وقت متأخر في الليل بسترات مفتوحة، بلا ربطات عنق وبلا مستشارين ومسجلي محاضر. وكشف الأسد عن مكامن قلبه فقال: «مشكلتي هي أنه في كل سنة يصل نصف مليون سوري إلى سن 18، وليس لهم أمل أو عمل».

 

مجلة فوغ

الأسد يعرف، إذن، بان تحت كرسيه تعتمل قنبلة موقوتة اجتماعية تعرض للخطر الاستقرار الداخلي في سوريا. ولكنه لم يفعل ما يكفي كي يغير هذا الوضع ويعطي أملا لشباب بلاده. وبدلا من أن يعرض عليهم مستقبلا وفرصا للعمل وحريات وديمقراطية، ركز الأسد على الرتوش التجميلية. فقد أدار حملة دولية لإعادة تصنيف سوريا كدولة علمانية وغربية.

الحملة وصلت ذروتها في تقرير مشوق عن بشار وأسرته نشر في مجلة الموضة «فوغ» في بداية السنة الحالية. وبدا كل شيء كاملا، باستثناء التوقيت: ما أن نشرت المقابلة حتى ثار الشباب عديمو المستقبل والراحة ضد السلطة. صورة الأسد يلعب مع أطفاله بالدمى تبدو في نظرة إلى الوراء كنكتة بائسة حين يقترب عدد الجنازات لمعارضي النظام في سوريا من 1.500 وأكثر من عشرات آلاف اللاجئين اجتازوا الحدود إلى تركيا. واكتشف محررو «فوغ» لمفاجأتهم بان تقريرهم عن الرئيس السوري وأسرته غير مناسب ومستفز، فشطبوا التقرير المحرج من موقع الانترنت للمجلة. وفي القصر الرئاسي في دمشق أيضا أوقفوا الحملة؛ صفحة الفيس بوك لأسماء الأسد، والتي وثقت فيها رحلات الزوجين تم تحديثها آخر مرة قبل شهر.

 

الأسد باق

الأسد الشاب خيب أمل مؤيديه في الغرب الذين رأوا فيه «إصلاحي» وعلقوا عليه أملا عابثا. بعد أن دفع قوات أمنه ضد المتظاهرين. في خطابه هذا الأسبوع أوضح الأسد بأنه لن يتنازل ولم يقترح سوى «حوارا وطنيا» كي يرفع عنه بعض الضغط.

الأسد باقٍ في هذه الأثناء في الحكم لثلاثة أسباب: خصومه لم ينجحوا في جمع قوة كافية ولم يصلوا بعد إلى قلب المدن الكبرى؛ الجيش يحافظ على تراص صفوفه وعلى ولائه للرئيس؛ روسيا وإيران تعطياه إسنادا من الخارج والإدارة الأميركية تمتنع عن الدعوة الصريحة لتنحيته وتكتفي بهذر عابث عن «الإصلاح». المتظاهرون في مصر جلبوا مئات آلاف الأشخاص إلى الميدان المركزي في القاهرة، واسقطوا الرئيس حسني مبارك. الثورة في سوريا تجري في المدن الفرعية، التي من السهل محاصرتها وإبعاد وسائل الإعلام الدولية عنها وذبح سكانها. هذه هي الاستراتيجية التي نعمل في سوريا بنجاح الآن.

التدخل الأجنبي

رغم تصميمه على الاستمرار على نفس النهج وعدم التراجع، فان الأسد لم ينجح بعد في إلحاق الهزيمة بالانتفاضة. فالمتظاهرون على وعي بدونية موقفهم حيال قوة النار وقدرة الحركة لدى الجيش، الذي يسيطر على محاور السير المركزية، ولهذا فقد اختاروا استراتيجية الاستنزاف. من ناحيتهم، الأهم هو إظهار التمسك بالهدف وعدم الاستسلام. وكبديل عن تجميع قوتهم في دمشق، يتظاهرون في نفس الوقت في مدن مختلفة لتشتيت قوات الأسد وإبقاء نار الثورة مشتعلة، المتظاهرون يأملون بالتأكيد بأنهم إذا ما واظبوا، ستثور في الجيش موجة فرار وسيسقط النظام. خلافا لنظرائهم في ليبيا، لا يمكنهم أن يعتمدوا على دعم دولي. أحد لن يأتي من أميركا أو أوروبا كي يقصف نيابة عنهم قصر الأسد وعلى أي حال فان هذا الاختراع لم يجدِ نفعا حتى الآن ضد معمر القذافي أيضا.

 

التغيير حدث

ولكن حتى لو كانت الانتفاضة في سوريا لا تزال بعيدة عن الحسم، فقد أحدثت منذ الآن تغييرا في ميزان القوى في الشرق الأوسط. فالريح انقلبت: إيران في حالة تراجع، وإسرائيل تتعزز من جديد. المخاوف التي أثارتها في إسرائيل الموجة الأولى من «الربيع العربي» تهدأ بالتدريج، والتحولات في الدول المجاورة تتخذ الآن صورة الفرصة الاستراتيجية، نقطة الانعطافة السابقة في المنطقة سجلت قبل نحو خمس سنوات، في حرب لبنان الثانية. فالفشل العسكري في المواجهة مع حزب الله كشف ضعفا إسرائيليا وأدى إلى تعزز إيران، الراعية لحسن نصرالله. ووثق الأسد تحالفه العسكري، السياسي والاقتصادي مع حكام طهران. حزب الله سيطر على لبنان وحماس على قطاع غزة، وتركيا ابتعدت عن إسرائيل واقتربت من إيران، سوريا وحماس.

 

تغيير الموازين

يبدو أن الأرجوحة الاستراتيجية تميل في الاتجاه المعاكس. إيران، الممزقة في صراعات داخلية في قيادتها، تحاول إنقاذ كرسي الأسد. إذا سقط، سيفقد الإيرانيون الحليف الأهم لهم، نقطة الاستناد لنفوذهم الإقليمي. في إسرائيل استغلوا الوضع لتغذية وسائل الإعلام الدولية بالتقارير عن الدور الإيراني العميق في قمع المتظاهرين في سوريا، وكأن الأسد يحتاج إلى دفعة من الخارج كي يكافح في سبيل حياته. تركيا لم تنتظر سقوط الأسد ورئيس وزرائها وقف في رأس معارضيه العلنيين. الرسالة واضحة: الهدوء في العلاقة بين دمشق وأنقرة وصل إلى نهايته، ومعه انتهت القصة. الان يعودون إلى صراعات القوى والنزاعات المعروفة من قبل. «إيران وتركيا تتصارعان على السيطرة والنفوذ في سوريا».