باحث تركي يهودي يرى ان معاداة السامية في تركيا شائعة في الاحزاب كلها لا في الاحزاب ذات التوجه الاسلامي فقط ويرى أن الحكومة والدولة التركيتين لا تفعلان شيئا لتغيير هذا التوجه. يعلم رفعت بالي أنه يخاطر مخاطرة كبيرة ببذله المقابلة الصحافية لـ «ملحق السبت» ولا سيما في الاسبوع الذي سجل فيه رئيس حكومته، طيب اردوغان، لنفسه فوزا تاريخيا لم يسبق له مثيل في انتخابات مجلس النواب. لا يُحب اردوغان أن ينتقدوه. فهو يبادر إلى تقديم دعوى تشهير.

 رفض النقد

لا يميز هذا التوجه زعيم الحزب الحاكم التركي، حزب «العدالة والتنمية» الذي فاز للمرة الثالثة على التوالي بالانتخابات العامة وعزز سلطته في الدولة تعزيزا كبيرا، فقط. فالاتراك لا يحتملون النقد. ففي فترة التحول الديمقراطي والاصلاحات ايضا، من يتجرأ على مهاجمة تركيا يجد نفسه في السجن أو غارقا في بقعة دم كبيرة في وسط الشارع.

«إن الكثير من الناس في تركيا غير قادرين على أن يهضموا بسهولة كلامي وعلى قبوله»، يقول المؤرخ التركي اليهودي. «الناس لا تعنيهم الآراء خارج التيار المركزي والتي تُرى أنها متطرفة. لكن آرائي موضوعية ومنطقية جدا. هناك يساريون وليبراليون ونشطاء حقوق انسان ينصتون ويوافقون على جزء من كلامي لكنهم ليسوا صوتا قويا في الحياة العامة التركية يُمكّن من اجراء نقاش عام مفتوح للقضية».

الموضوع الذي يقلق بالي، الذي ولد في اسطنبول، وهو عضو في مركز ابحاث ثقافة اسبانيا في جامعة السوربون في باريس، هو معاداة السامية التركية. نشر بالي ابن الثالثة والستين كتبا كثيرة تتناول هذه القضية ونظريات المؤامرة المنتشرة في المجتمع التركي عن محاولات اليهود واليهود الذين أسلموا السيطرة على تركيا والعالم. وهو يرى أن الصمت عن هذه الظاهرة الشديدة لا يزال موجودا بفعل غض إسرائيل والجماعات اليهودية في الولايات المتحدة عيونها عن ذلك.

 جذور قديمة

الحديث ليس عن ظاهرة نشأت في فترة حكم اردوغان وحزبه. فجذور معاداة السامية التركية التي تُملي اليوم السياسة نحو إسرائيل، مغروسة عميقا في اوساط كثيرة من المجتمع التركي منذ عشرات السنين. الخط التركي الرسمي الذي يقبله الجميع هو أنه لا توجد معاداة سامية في تركيا، يقول بالي. «وفيما يتعلق بإسرائيل، لليساريين والليبراليين معاداة على نحو ما لها بحيث يوافقون على بعض آراء الإسلاميين في شأن إسرائيل والقضية الفلسطينية. والى ذلك، اشترك هذان المعسكران المتخاصمان في هدف سياسي مشترك هو تحويل تركيا إلى الديمقراطية وتقليل تأثير الجيش في السياسة. ومع وجود هذا الحلف التكتيكي لا يستطيع اليسار والليبراليون مهاجمة الاسلاميين بسبب معاداتهم للسامية».

إن اسطنبول، ذات المناخ الاوروبي لم تحتفل في شوارعها بفوز اردوغان الكبير برغم أن أكثر سكانها، ولا سيما من الأحياء الشعبية، منحوه أصواتهم. برغم أن اردوغان في خطبة فوزه امتنع عن مهاجمة إسرائيل، لا يعتقد بالي أن العلاقات بين إسرائيل وتركيا ستسير قريبا في مسار تحسن ما لم تبادر إسرائيل إلى ذلك.

 شرط الاعتذار

«توجه تركيا الأساسي هو أن على إسرائيل أن تعتذر رسميا عن المس بالمشاركين في القافلة البحرية إلى غزة وأن تدفع تعويضات»، يؤكد بالي. «لن يوافق الاتراك على أقل من اعتذار كامل. فالامر أمر كرامة وعزة. وهكذا بغير لفتة من إسرائيل لن تتحسن العلاقات. وهناك ازمة اخرى هي القافلة البحرية المخطط لها التالية التي هي في انتظار».

جُرت إسرائيل مرغمة إلى المعركة الانتخابية التركية. فقد اتهمت الحكومة والمعارضة بعضهما بعضا بالتعاون مع إسرائيل. وعبّر عدد من معارضي اردوغان عن انتقاد لأن الحكومة لا تزال تحافظ على علاقات اقتصاد وأعمال جيدة مع إسرائيل. بل اتُهم أحد الوزراء بتنظيم صفقات لأبناء عائلته مع جهات إسرائيلية. أما اردوغان من جهته فاتهم المعارضة العلمانية بأنها تتعاون مع إسرائيل على التحقيق في مساهمة حكومته في تنظيم الرحلة البحرية السابقة إلى غزة.

قضية العلاقات مع إسرائيل يستغلها اردوغان لحاجات داخلية. «يزعم كثيرون أن الخطابة المعادية لإسرائيل كلها عنده ترمي إلى حاجات سياسية داخلية. صحيح أن من الشعبي جدا في تركيا مهاجمة إسرائيل وانتقادها التوجه العام عند الجمهور التركي معادٍ لإسرائيل ومعادٍ للصهيونية لكن اردوغان ذو شعبية كبيرة بحيث لا يحتاج إلى مواقف معادية لإسرائيل كي يحصل على أصوات أكثر من المقترعين. موقفه في هذا الشأن يأتي من القلب. انه يُعبر عن مشاعر أصيلة وهذا الامر أشد خطرا.