السلام لن يتحقق بخطابات في الكونغرس او في الكنيست، بل بشجاعة اتخاذ القرارات التي تغير الواقع الذي يخلق تهديدا حقيقيا على مكانة دولة إسرائيل، على الدعم الدولي لها وعلى مستقبلها كدولة يهودية وديمقراطية.
كلمة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو أمام مجلسي الكونغرس كانت مثيرة للانطباع. وأثارت احساسا مبررا بالفخار في أوساط العديد من الإسرائيليين ممن هم ليسوا مستعدين للخصومات والكراهية السياسية. نتانياهو خطيب مصقع وكفء على نحو خاص باللغة الانجليزية. وهو يعرف كيف يتحدث إلى الأميركيين «بالأميركية» المفهومة والتي تدخل القلب. وليس صدفة أن نال استقبالا حارا وعاطفا جدا في الكونغرس. لا غرو أن خطابه، الذي بث في البث الحي والمباشر في البلاد، نال رد فعل مشابه في الجمهور الإسرائيلي أيضا. هذه لحظة راحة كل إسرائيل يحق له أن يستمتع بها وأن يتفاخر فيها.
حدود 67
لعل هذه كانت اللحظة الاكثر فرحا في حياتنا السياسية منذ زمن بعيد، ويحتمل أيضا أن تبقى كذلك لفترة زمنية طويلة اخرى. مثل هذه الخطابات هامة وبالضرورة هي جزء من جدول أعمال كل سياسي، وبالتأكيد السياسي الإسرائيلي الذي يظهر في أحد الاماكن الاهم في العالم. بيد أن الخطابات لا يمكنها أن تكون بديلا عن سياسة السلام. مثل هذه لا يوجد لإسرائيل اليوم. على أي حال هذه لا تجد تعبيرها في اقوال نتانياهو في أميركا ولا حتى في البلاد.
السؤال ليس اذا كان نتانياهو نجح في اخافة رئيس الولايات المتحدة أو ان أوباما كان حازما بما يكفي كي يثير المخاوف في أوساطنا. الرئيس أوباما لم يغير ولم يجدد شيئا في خطابه الاسبوع الماضي. فقد عبر عن الحقيقة البسيطة التي لا مفر منها. العالم بأسره، وبالتأكيد البلدان العربية، من استراليا عبر كندا واوروبا وكل الادارات الأميركية في الجيل الاخير دون استثناء ـــ تؤيد بشكل لا لبس فيه حل النزاع بيننا وبين الفلسطينيين على اساس حدود 67 مع تبادل للاراضي. هذا ما قاله أوباما في خطابه الاول وعاد وأكده في خطابه الثاني. شيء لم يتغير بين الخطابين، وان كان الرئيس أوباما أيضا لم يعرض في نهاية اليوم خطة سياسية متبلورة.
الحل الحيوي
واضح أن تبادل الاراضي سيغير مسار خط الحدود بالقياس إلى خطوط 67، ولكن هذا التغيير لا يعني التخلي عن مطلب الحل على اساس خطوط 67. تبادل الاراضي سيستدعي نقل مواطنين كانوا جزءا من سيادة إسرائيل حتى العام 67 إلى سيادة فلسطينية مقابل ثلاثة تجمعات سكانية يهودية في يهودا والسامرة. حجمهم ومكانهم سيبحثان في المفاوضات حل الدولتين للشعبين حيوي لامن إسرائيل ووجودها. أساس خطوط 67 هو المفتاح لذلك وليس لنا ما نخشاه في هذا السياق.
هكذا أيضا بالنسبة للقدس. دول العالم المتنورة باسرها، بما فيها الغالبية الساحقة من الجمهور الأميركي، تؤيد قطع الاحياء العربية في القدس عن السيادة الإسرائيلية. هذا محتم، وهذا ايضا صحيح وجيد لمن يرغب في الحفاظ على عاصمة إسرائيل كمدينة يهودية. لا مفر من هذا. كرئيس البلدية سابقا أعرف ذلك جيدا، وهذا ايضا ممكن. من يرفض البحث في ذلك يقضي على فرص المسيرة السلمية. يمكن ان يدور المرء لسانه، ان يوقظ متطرفي اليمين وأن يجترف هتافات التأييد من المستوطنين، ولكن السلام، المفاوضات الحقيقية والفهم في العالم لن تنشأ عن ذلك.
مكانة إسرائيل
السطر الاخير لحملة خطابات رئيس الوزراء في الولايات المتحدة يثير قلقا عميقا. هناك من يعتقد بانه في المواجهة التي لا داعي لها مع أوباما، في الخلاف العلني مع الولايات المتحدة في عدم الاتفاق الواضح مع اوروبا، تراجعنا إلى الوراء.
آخرون سيقولون اننا بذلك اتخذنا خطوة إلى الامام نحو الهوة السحيقة على شفا بيتنا منذ زمن. هوة العزلة، الشجب، المقاطعة والانتقاد المتطرف. هوة من شأنها أن تؤدي، في نهاية المطاف، إلى الخسارة الدراماتيكية لمكانة إسرائيل في العالم كدولة محبة للسلام ترغب بصدق في التوصل إلى اتفاق على اساس حل وسط أليم، يحطم القلب، صعب على التنفيذ ولكن محتم.
هتافات الفرح من الجماهير من شأنها أحيانا أن تضلل. استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تنهض بالمزاج. ولكنها لا تغير الواقع. الشجاعة، التصميم، القدرة على اتخاذ القرار وبالاساس الاستعداد للمواجهة حتى مع رجال الحزب والمؤيدين السياسيين من الداخل هي الاختبار الحقيقي للزعامة.
