التسوية الإسرائيلية الفلسطينية تبدو الان، بعد الخطاب الشرق الاوسطي لأوباما، أبعد بكثير مما بدت قبله. رجال أعمال إسرائيليون طالبوا بمبادرة إسرائيلية الان وحذروا من انه في ظل غيابها ستقع في سبتمبر القريب القادم كارثة سياسية تجر كارثة اقتصادية، يمكنهم أن يدعوا السياسة ويعودوا إلى ادارة أعمالهم التجارية الناجحة. فشيء لن يحصل في سبتمبر، اذا كان هذا منوطا بأميركا وهو منوط بأميركا. المقاطعة على إسرائيل؟ خطر صفر.

نغمات بوش

معظم خطاب أوباما كرس لتفاصيل المبادئ السياسية لادارته تجاه العالم العربي: معارضة العنف والقمع، تأييد الحريات الاساسية كحرية التعبير، حرية الاعتقاد، حرية الاختيار والمساواة الكاملة بين النساء والرجال ـــ والاستعداد للدفاع بالقوة عن شعوب تتحرر من الدكتاتورية. سلفه، جورج بوش، كان يمكنه أن يوقع على هذه المبادئ بكلتي يديه. نغمات جورج بوش سمعت ايضا في اجزاء اخرى من الخطاب: في الانتقاد الحاد لايران، بالطلب من الاسد الرحيل عن الحكم ورفض الرقابة على وسائل الاعلام الالكترونية.

في المجال الاقتصادي عرض أوباما على الدول العربية التي تجتاز ثورة ديمقراطية والتي نتائجها غير مضمونة تبني نموذج الاقتصاد الليبرالي المفتوح، المنخرط في الاقتصاد العالمي، القائم على اساس التجارة الخارجية المتسعة، المشجع للمبادرة الخاصة والمكافح ضد البيروقراطية الفاسدة. مشكوك أن تأسر هذه الرؤية قلب متظاهري القاهرة، دمشق وصنعاء. بعضهم مدمنون على افكار متزلفة للشعب غريبة الاطوار وبعضهم لا يزال يبحث عن عشرات مليارات الدولارات التي يزعم أنه تم تهريبها من بلادهم على أيدي عائلات الحكام المخلوعين.

مساعدات متواضعة

المساعدة التي وعد بها أوباما مصر الجديدة متواضعة للغاية. بخيلة: شطب دين مصري قديم بمليار دولار ومنح ضمانات ائتمان بمليار دولار آخر. مال قليل جدا، لن يغير شيئا في الواقع الاقتصادي المصري البشع ولن يؤثر على تحسين مكانته في الاسواق المالية العالمية. «توجهنا إلى البنك الدولي والى صندوق النقد الدولي»، اجتهد أوباما لتهدئة مستمعيه العرب، «كي يقدموا الاسبوع القادم، في مؤتمر قمة زعماء الدول الصناعية، خطة لاستقرار الاقتصاد في تونس ومصر». صندوق النقد الدولي يقدر بان مصر وحدها تحتاج إلى تقديم مساعدة فورية بنحو 12 مليار دولار «لاغلاق الثقوب» في الميزانية الحكومية وفي العجز في التجارة الخارجية.

في الربع الاول من العام 2011 تقلص الاقتصاد المصري بنحو 7 حتى 8 في المئة وبقي في مستوى نشاط متدن بل ومنخفض في الربع الثاني. السياحة انهارت، الاضرابات وتعطيلات العمل المتواترة تمس بشدة بالانتاج وفي التصدير، البطالة تستشري، التضخم المالي ارتفع إلى وتيرة سنوية 20 في المئة، العجز في الميزانية يقترب من 10 في المئة من الانتاج والسياسة الاقتصادية الحكومية في القاهرة مشوشة، متلعثمة، تتراوح كالبندول بين التزلف للشعب والرأسمالية. رجال الاعمال يخشون النزول لتطأ اقدامهم الاراضي المصرية والبنك المركزي عديم الوسيلة. المساعدة الطفيفة التي وعد بها أوباما عمليا هي قطرة فقط في بحر الاحتياجات. وهذه ايضا تحتاج إلى مصادقة من الكونغرس.

 

الموقف الغائب

كيف يتم توسيع التجارة الخارجية العربية؟ أوباما وعد باقناع رؤساء الاتحاد الاوروبي بتوسيع اتفاقات التجارة بين الاتحاد والدول العربية، شريطة أن تقوم هي «بالاصلاحات والتحول الليبرالي». مبادرة مباركة ولكنها قليلة النفع: فحتى الاتفاقات القائمة غير مستغلة من الطرف العربي. فليس لديه الرغبة في اجراء الاصلاحات وليس لديه ما يصدره.

من خطاب أوباما غاب الموقف من الغنى الهائل الذي جمعته الدول العربية المصدرة للنفط تريليونات عديدة من الدولارات. يبدو ان الرئيس الأميركي لم ينجح في أن يتلقى من حكامها حتى ولو التلميح بالاستعداد لتقديم المساعدة المالية للتحول الديمقراطي في الشرق الاوسط. وبالفعل، لماذا يتعين عليها ان تمول الثورات التي تهدد حكمها؟

في السطر الاخير أوباما لا يسارع إلى فتح جيوب المساعدة الأميركية. ليس فقط لان كل توسيع للمساعدات متعلق باقرار الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، بل وايضا لانه هو نفسه لا يؤمن بان المال سيحل الضائقة ونقاط ضعف المنطقة الاقتصادية العربية الإسلامية. وقال ان «الازدهار الاقتصادي يستدعي هدم الجدران». وصحيح حتى الان فان هذه الجدران شقت فقط بشق ضيق.