السلام مع سوريا لم يكن أبدا رغبة إسرائيلية. وحتى من أيده، رأى فيه أساسا مجرد وسيلة لتحقيق أهداف أمنية. سوريا من شأنها أن تتفكك، وفي كل الأحوال ستعاني من عدم الاستقرار على مدى زمن طويل. وليس مؤكدا أن في إسرائيل سيوجد كثيرون ممن سيذرفون أي دمعة.
الجميع يعرف لمن تعطى النبوءة، وفي الوضع الحالي في الشرق الأوسط يقل عدد من يتطوعون لأن يكونوا شاذين. في جهاز الأمن، الذي توقع قادته في نهاية السنة السابقة استمرار استقرار الأنظمة العربية لم يعد أحد مستعدا لأن يضع مكانته على كفة الميزان، ويتنبأ إذا كان بشار الأسد سينجو من العاصفة الحالية. عندما تقع مثل هذه الموجة، فإن الأشخاص الفهيمين ينظرون إليها بتحفز وينتظرون رؤية نتائجها.
نشاط استخباراتي
هذه لحظة اختبار لرجال الاستخبارات ولزبائن معلوماتهم وتحليلاتهم، فليس فقط من الصعب معرفة ما سيحصل، بمعنى من سيسيطر في دمشق، وكم ستكون مستقرة السلطة. ينبغي، في ظل الحراك، تغيير أقراص التفكير التي تجمعت على مدى عشرات السنين وبسرعة.
هذا صحيح على نحو خاص بالنسبة لسوريا، التي على مدى عقدين كانت الهدف المركزي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وعندما أجمل رئيس شعبة الاستخبارات السابق عاموس يدلين مهام منصبه، قال في المحافل المغلقة إنه وجد منظومة استخبارية كانت مشبعة بالمعرفة بالنسبة لسوريا، مقابل انعدام المعلومات الاستخبارية عن أهداف حيوية اخرى. صحيح، ذات المنظومة فوتت على مدى السنين فرصة معرفة بناء المفاعل في دير الزور، ولكنها اكتشفته لاحقاً وجلبت المعلومات التي سمحت بإدانته وهيأت مشروعية الهجوم الذي دمره، وليس أقل من ذلك ساعدت في الخطوات التي منعت الاشتعال بعد القصف. في كل الأحداث الأمنية العليا في العقد الأخير، وعلى رأسها حرب لبنان الثانية، وجدت تعبيرها الفرضية في أن سوريا ــ جيشها، زعماءها، منظومة قراراتها ــ نحن نعرفها جيدا.
تغييرات محتملة
أما الآن، فسوريا كفيلة بأن تكون مختلفة تماما، وربما بشكل متطرف: سيناريو محتمل يقول إن الأسد لن يستبدل بحكم مركزي آخر، بل إن سوريا ستدخل في فترة طويلة من انعدام الاستقرار، النزاعات الطائفية والتفكك لمؤسسات الحكم. بقايا النظام العلوي ستتصدى للأغلبية السنة، وستواصل قوى انعزالية ومحلية أخرى نحو اتجاهاتها. إيران، التي في عهد الأسد الابن أصبحت السند الأساس لسوريا، لن يكون بوسعها التنازل عن النفوذ وعن الاتصال المباشر مع لبنان، والذي منحها إياه النظام القائم. بالتوازي، سيتعين على المنظومة الإسرائيلية أن تتكيف مع الحديث عن سوريا بتعابير أخرى تماماً. التاريخ يبين أن هذا هو أحد الأمور الأصعب بالنسبة لمنظومة الاستخبارات واتخاذ القرارات.
يجدر بنا أن نتذكر أيضا حين نفكر مثلما يفعل البعض الآن، بسيناريو بموجبه يحاول الأسد الخروج من ضائقته من خلال تسخين الحدود مع إسرائيل، وذلك لتوجيه الغضب منه إلى العدو الصهيوني. هذا سيناريو يطرح في كل مرة يكون فيها زعيم عربي في ضائقة، ولكنه لا يوجد له أساس حقيقي من الصحة.
سيناريو مستحيل
الأسد يعرف جيدا ماذا ينتظر سوريا في مثل هذه المواجهة. من امتنع عن الرد على تدمير المفاعل، مشكوك أن يقرر بأن الحل للمظاهرات في درعا هو حرب نارية قاسية مع إسرائيل. هذا لا يعني أن هذا السيناريو مستحيل، ولكن ليس فيه لا منطق ولا سابقة تاريخية. في كل تحليل استخباري لسوريا يظهر بقاء النظام بأنه الدافع الأول في سموه بالنسبة للأسد. مشكوك أن يفكر بأن هجوما على إسرائيل سيساعده في هذا البقاء. الأكثر معقولية هو أنه إذا ما نجا ولم يسقط، فإن سوريا ستسقط من خريطة المفاوضات المحتملة، وكذا من خريطة التهديد الفوري، لزمن غير معروف.
كما أن التأييد في إسرائيل لمثل هذه المفاوضات كفيل بأن يهبط، حين يكون في الجهة الأخرى نظام جديد أو مترنح. الثمن المعروف ــ التنازل عن هضبة الجولان بأسرها، حسب «وديعة رابين» ــ ليس محبباً على معظم الإسرائيليين، والكثيرون من اولئك الذين كانوا مستعدين له مقابل دفعة استراتيجية موازية، ولا سيما خرق التحالف مع إيران، لن يؤيدوه في مثل هذا الوضع.
