العالم لا يصمت في موضوع سوريا، لا معنى للمبالغة الزائدة. العالم يتحدث ويعرب عن اشمئزازه العام من السلوك الاسدي، ولكنه يحرص جدا على أن يبقى في خانة التنديدات غير الرسمية والامتناع عن الدعوة إلى العمل. أصحاب القرار في اوروبا وفي الولايات المتحدة يكررون ذات الرسالة المرة تلو الاخرى: التدخل العسكري في سوريا ليس على الطاولة. وهم يقولون في واقع الحال: لا تفكروا حتى في هذا، وبذلك فانهم يحاولون ان يحبطوا ويقتلعوا عطفا سياسيا محتملا قد يحاول الدفع نحو مثل هذا العمل. عندما يقول البيت الأبيض الديمقراطي وجون ماكين الجمهوري انه لا معنى للتدخل في سوريا، ينشأ إجماع سياسي. الكونغرس مرن، بالطبع، ويمكنه أن يتغير، ولكنه يتشكل من سلسلة اسباب تعرقل التدخل الدولي المكثف في سوريا. هذا لا يبرر التجاهل الغربي، ولكنه يحاول أن يشرحه.

أسباب عدم التدخل

إذن لماذا لا يتدخل المبادرون إلى الحملة العسكرية في ليبيا في سوريا ايضا؟

لا يعرفون من سينتصر. هذا موضوع حرج. عندما بدأت الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا تدخلها في ليبيا كان هناك احساس بان أيام القذافي معدودة. كان واضحا أيضا بان هناك قوة تمرد كثيفة، مسلحة، سيطرت على أجزاء من الدولة. في ليبيا، وكذا في مصر ؟ نشأت عمليا تحالفات شديدة القوة قررت خيانة الحكم واسقاطه. في مصر كان الحديث يدور عن ظاهرة جماهيرية، اجماعية، للارادة لاسقاط مبارك، وانضم اليها الجيش الذي اتخذ قرارا في مراحل مبكرة الا يتدخل ويحمي الرئيس. ما أن كان واضحا ان الحكم المصري لن يقمع الاضطرابات بالقوة، ومشكوك أن هذا كان ممكنا على الاطلاق، لم يتبقَ للحكم أي خيار ناجع.

الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، فهم بان مبارك ضعيف ومصفى على أي حال، وكان ملزما بان يجد لنفسه جياد أخرى، أقل شيخوخة ومرضا. وكان القرار اياه واقعيا تماما ونبع من واجب الظروف ؟ الفهم بان مبارك يوشك على أي حال على السقوط. في ليبيا الاعتبار كان مغايرا بعض الشيء: لم يكن فهم بان القذافي منتهٍ ولكن الإجماع الدولي هو ان هناك قوة هامة تقف ضده، يمكنها في ظروف معينة أن تسقطه. والاجماع الهام بقدر لا يقل هو أن ليبيا، الدولة التي عقدت حلفا عمليا مع الغرب، لا يمكنها أن تعقد معه الصفقات بعد الان حين يكون زعيمها هو القذافي، الذي جعل نفسه منبوذا.

 

الحالة السورية

القصة السورية، كما يمكن أن تُرى بوضوح تختلف جدا. لا توجد معارضة واضحة داخل الدولة. لا توجد قوة عسكرية تقف حيال الرئيس،. وحسب التقديرات في واشنطن، يدور الحديث عن مظاهرات حتى لا تشمل معظم اجزاء المجتمع السوري.

إنهم في الغرب يعانون من قضية «الحرب غير الصحيحة. حقيقة ان الغرب الان ملتزم بالتطورات في ليبيا، وهذا يقلص دراماتيكيا نافذة العمل في سوريا.

سبب أخير أنهم لا يعرفون ماذا سيكسبون من تغيير النظام في سوريا. (ولا يعرفون كيف يقدمون المساعدة على أي حال). في مصر لم يكن مفر. كان واضحا بان هناك تغيير في النظام ؟ على أي حال مبارك مريض بالسرطان وهو كبير جدا في السن. الغرب لم يسأل نفسه ماذا سيكسب من تغيير النظام المصري وذلك لان هذا ببساطة لم يكن منوطا به؛ الشارع أملى الاحداث.

في ليبيا واضح تماما أن النظام الجديد سيكون متعلقا جدا باوروبا وبالأميركيين. واذا أخذنا بالحسبان احتياطات النفط الليبية، فان تغيير النظام كفيل بان يضمن مرابح طيبة.

في سوريا ايضا يوجد ما يمكن كسبه من تغيير النظام ؟ اولا وقبل كل شيء اضعاف المحور الإيراني. واذا ما حاكمنا الامور من الرد الأميركي المتردد فقد كان النظام السوري على ما يبدو قابلا للاستخدام جدا من جوانب عديدة بالنسبة لهم. فبينما في الحالة المصرية التغيير على أي حال تحقق والأميركيون حاولوا فقط يائسين ركب الموجة؛ وفي الحالة الليبية التغيير ضروري ؟ فان الوضع السوري اكثر تعقيدا بكثير. ثمة ما يمكن كسبه، ولكن ثمة ايضا ما يمكن خسارته ؟ أولا وقبل كل شيء، استقرار معين وهش من شواطىء لبنان وحتى العراق.

حرب غير صحيحة

عندما سافر ارئيل شارون إلى واشنطن عشية حرب العراق الثانية، حذر الرئيس بوش، كما قال رجاله في حينه، من أنه يوشك على «خوض الحرب غير الصحيحة». وقصد شارون ان على الولايات المتحدة أن تركز جهودها على إيران وليس على العراق. بوش تجاهل بلباقة، شارون لم يكن في موقف اصرار، وبالطبع الحرب في العراق هي أحد الاسباب المركزية التي تمنع الولايات المتحدة من توجه ضربة عسكرية لإيران؛ الفهم الدارج هو أنه ليس للادارة الثقة الجماهيرية، المساحة العسكرية او المقدرات المالية للمخاطرة بحرب اخرى في الشرق الاوسط.