منذ أن تم التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد أهملت إسرائيل الاستعداد الاستخباري والعسكري في مواجهة الجبهة الجنوبية المصرية وقد تغير الوضع اليوم في مصر وقد يتغير أكثر في المستقبل فماذا عند القيادة العسكرية الإسرائيلية لمواجهة هذا الوضع.

منذ ثلاثين سنة تقريبا لم تسأل حكومة في إسرائيل الجيش الإسرائيلي: ماذا عندك في مواجهة الجبهة المصرية وماذا ينقصك وكم من الوقت تحتاج كي تستعد وكم سيكلف ذلك. منذ ثلاثين سنة لم يطلب المستوى السياسي أن يُعرض عليه خطط مع جداول زمنية وترتيب أفضليات، لوضع تحول استراتيجي في الساحة المصرية. ومنذ ثلاثين سنة حلقت هذه الأسئلة في الفضاء لكن المستوى السياسي ــ وعلى أثره الجيش أيضا ــ دفن رأسه في الرمل وأفسدا معا على علم وعلى عمد القدرات في مجابهة مصر.

 

ثمار السلام

يمكن أن نفسر مضاءلة القدرات العسكرية في هذه الجبهة إلى الحد الأدنى بأنها إجراء طبيعي وصحيح وجزء من ثمار السلام. لكن محو المعلومات التي تجمعت طوال السنين عن هذا الميدان لا يُغتفر. منذ وقع التوقيع على اتفاقات كامب ديفيد كان التوجيه الشامل هو الامتناع عن كل نشاط قد يُفسره المصريون بأنه تحدٍ أو عنف، وفي ضمن ذلك جمع المعلومات الاستخبارية لاحتياجات عملياتية وتكتيكية بل جمع المعلومات الأساسية.

إن فقدان المعلومات لا يقاس بالميزانيات الضخمة والفرق والطائرات. الحديث عن أشخاص وعن جماعات عمل يحتفظون بقدرات كالنظريات القتالية والمعلومات الاستخبارية. إن مراكز المعلومات هذه هي الاركان التي يمكن البدء اعتمادا عليها في اليوم الذي يُعطى فيه إنذار لبناء القوة. لكنه مر زمن طويل منذ تلك الايام التي كانت فيها «أمان» تعرف الضباط المصريين معرفة حميمة وتعرف كل وحدة تدخل سيناء أو تخرج منها. تختلف الجبهة المصرية اختلافا جوهريا عن جبهات بنى الجيش الإسرائيلي نفسه في مواجهتها في العقود الاخيرة. يبدو ان المعلومات التي تم جمعها والنظريات القتالية والقدرات التي بُنيت في مواجهة الجبهة الشمالية وفي مواجهة جبهة العمق يمكن ان تخدم فقط الجبهة الغربية في سيناء خدمة جزئية. اذا بحث شخص ما اليوم عن شبكة إخفاء تلائم الصحراء فلن يجدها في أي مخزن. ربما يجدها في متحف الجيش الإسرائيلي. وشبكة الإخفاء هذه بطبيعة الأمر مثل فقط.

 

انتقال السلطة

أخطأ من اعتقد انه مُحي بعد ‬1973 مصطلح «التصور العام» من معجم «أمان». تمسك رئيس «أمان» الجديد، اللواء افيف كوخافي - مثل سلفه اللواء عاموس يادلين ومثل رؤساء «أمان» قبله ؟ قبل سقوط مبارك بايمان ما بتبديل منظم جدا للحكم في مصر. ساد هذا الاعتقاد «أمان» عشية أبعد الجماهير الرئيس ايضا. والحديث عن تصور تبسيطي جدا رسم السيناريو الآتي وهو أن إدارة مبارك ستنقل السلطة نقلا منظما إلى جماعة مسؤولين كبار في جهاز الأمن المصري برئاسة عمر سليمان فينقلها هذا نقلا منظما إلى جمال مبارك أو إلى وريث آخر يشير اليه الرئيس المصري. حاول رئيس الشعبة السياسية الامنية في وزارة الدفاع، عاموس جلعاد، وقائد منطقة الجنوب السابق، يوآف غالنت، كل واحد على حدة وكل واحد باسلوبه، مواجهة هذه النظرية. اعتقد كلاهما ان الذي سيحرز السلطة سيكون الجيش لا عمر سليمان، سواء تم ذلك على نحو منظم أم لا.

 

الجيش المصري

يرى الجيش نفسه وكيل السلطة في مصر وهو الذي يعطيها الحاكم باعتبارها وديعة. فقد عين الجيش عبد الناصر والسادات ومبارك. وفي حال استمرت هيمنة القوات المسلحة على المجتمع المصري فستُعين وريث مبارك أيضا. يعتمد عمر سليمان على الاجهزة الاستخبارية وكان تعلقه بمبارك مطلقا. أما الجيش في مقابلة ذلك فهو جهة مستقلة تستولي على نحو مليون جندي نصفهم من الاحتياط، وعلى قطاعات اقتصادية واسعة: من المخابز حتى المزارع والمصانع.

ترى ماذا ستفعل إسرائيل في حال حدث في مصر تحول استراتيجي يفضي إلى إبطال اتفاقات السلام والاستعداد للحرب. يتحدثون الآن في تل أبيب عن أمد انذار يبلغ سنين. ستكون مصر في النصف الأول من وقت الإنذار الذي سيعطى لإسرائيل مشغولة بتبديل السلطة وتثبيت القيادة الجديدة، وسيبني الجيش المصري في النصف الثاني نفسه للحرب.