أصبح واضحا الآن أن الشرق الأوسط في ذروة «لحظة ثورية». أكبر من مجرد ثورات «فيس بوك» نحن في بداية فصل كامل جديد يمكن أن يُحدث تغييرات أنظمة حكم وسياسة ذات شأن. أبرز الخصائص في هذا الفصل أن الانتفاضة قادتها قوى من المجتمع المدني على نظم حكم مستبدة وأحدثت مسارا لا عودة عنه إلى الوراء في تقديري. نحن أمام تغيير من جهة خصائص نظام الحكم والسياسة. يبدو لي هذا الحراك مشابها جدا لما حدث في مركز أوروبا وشرقيها في السنتين 1989 ــ 1990، أي تلك الانتفاضة للمجتمعات المدنية حيث تم إسقاط نظم الحكم الشيوعية التي دامت عشرات السنين.
تذكرون انه نشأ على أعقاب ذلك نظام جديد في أوروبا كانت له تأثيرات جماعية أيضا تتجاوز الحياة في القارة نفسها. مع ذلك، وبرغم التشابه ما زال من السابق لأوانه الحديث عن خصائص نظام جديد في الشرق الأوسط لأننا في منتصف المسار فقط كما قلنا آنفا.
مصير القذافي
أعتقد انه يوجد في التصور السائد مبالغة تتعلق بالأهمية التي ينسبونها إلى وسائل الإعلام الجديدة في هذه الثورات. بحسب زعمي وكما أرى الأمور، تسرعت جهات الإعلام جدا عندما سمّت الأحداث ثورات فيس بوك أو تويتر أو يو تيوب. يوجد في الحقيقة تأثير للانترنت وبخاصة قنوات تلفاز الأقمار الصناعية ونحن نتحدث خاصة عن «الجزيرة»، لكن يجب أن نذكر أن الثورات كانت ممكنة فقط عندما انضمت إلى الشبان القطاعات الأكثر شعبية في المجتمعات العربية، وفيهم ملايين الناس ممن لا قدرة لهم على استعمال الانترنت أو حتى الهاتف المحمول. هذه الجماهير التي حسمت مصير أنظمة الحكم وأدارت الصراعات الشديدة في الشوارع التي رأيناها في التلفاز في صالونات بيوتنا، وهذا ما سيحدث في ليبيا أيضا: فمن سيحسم مصير القذافي هم الناس الذين سيُديرون صراعا قاسيا شديدا وأصيب منهم حتى الآن عدد كبير سيزداد في المستقبل. ستتم هذه الثورة بفضل وسائل تقليدية للانتفاضة لا تتعلق بالتقنيات الجديدة.
عدم تجانس
إن موجة الثورات والاضطرابات التي تصيب العالم العربي قد تضلل الناظر وتترك انطباع كأنه توجد هنا ظاهرة متجانسة في جميع الأماكن. لكن العالم العربي ليس وحدة واحدة، ولهذا فان الثورات أيضا تلبس لباسا مختلفا في كل دولة ودولة. هذه الثورات في واقع الأمر بنية المشهد الاجتماعي ــ السياسي للدولة، والعلاقات بين القوى الداخلية وبين اللاعبين المختلفين وعلاقة العالم الخارجي بها، وفي مقدمته الولايات المتحدة.
إن تأثير الدومينو الذي يصيب دولا كثيرة في العالم العربي وفي واقع الأمر صورة عن هذه التطورات في اماكن مختلفة وأزمان مختلفة في العالم. على سبيل المثال، كان انحلال الاتحاد السوفييتي يُعبر عن مسار مشابه. لكن كما قامت هناك الدول على أنقاض الاتحاد السوفييتي فان كل واحدة تطورت بطريقتها هي، وهذا ما يتوقع أن يكون في الثورات الحالية في العالم العربي.
برغم أن الشعــــب في كل واحدة من الدول خرج إلى الشوارع لإبعاد نظام الحكم المستبد ولجلب قدر أكــبر من الديمقراطية في الدولة، فان المشكلات الاجتماعية والسياسية المختلفة هي التي ستُمــــلي الإيقاع وصــــــورة التغيير. ومن الواضـــح أيضا أن شكل نظام الحكم والحكام سيكون مخـــــــتلفا في كل مكـــــان ومكان.
العراق على الطريق
في حين يمكن مثلا أن نفترض في مصر أن تستمر النخبة العسكرية على إعطاء الصبغة للدولة مع زيادة قوة الإخوان المسلمين، ستكون الصورة في تونس كما يبدو مختلفة، بسبب الضعف النسبي للجيش وبسبب التوجه الفرانكفوني ؟ العلماني لهذه الدولة. إن السياسة المتقلبة المختلفة التي تأخذ بها الولايات المتحدة في كل مكان ومكان ستُبدي علاماتها أيضا على التطورات في المستقبل. مع ذلك ينبغي أن نؤكد ان قدرة الولايات المتحدة على التأثير تأثيرا عميقا في الاتجاه الذي ستتقدم فيه الدولة محدودة جدا وأفضل الأمثلة على ذلك هي العراق. فبرغم الاحتلال/ التحرير الأميركي الطويل وبرغم النماذج الديمقراطية التي حاولت أن تهبها على شاكلتها وصورتها لهذه الدولة، فان العراق تشق لنفسها طرقا خاصة بها. والاضطرابات التي تحدث هناك منذ شهر وإن تكن على نار أهدأ مما هي في الدول الأخرى، تشير إلى أن مسار التحول الديمقراطي لم ينته ولم يكمل بعد.
