أحدثت حرب الخليج انعطافة في مفهوم الأمن الإسرائيلي. صواريخ سكود العراقية التي أطلقت نحو غوش دان وحيفا تجاوزت الاستحكامات، فرق المدرعات واسراب سلاح الجو، وضربت التجمعات السكانية المدنية. شخص واحد فقط قتل، والضرر الذي لحق بالأملاك لم يكن كبيرا، ولكن الدولة شلت في ستة أسابيع من الحرب. عشرات الآلاف فروا من منازلهم في مناطق الخطر، ورفضت شركات الطيران الأجنبية الهبوط في إسرائيل، والسكان الذين بقوا في بيوتهم وأماكن عملهم وتحصنوا في الغرف المأطومة شعروا بأن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه أن يدافع عنهم.
تداعيات القصف
لقد نجح صدام حسين في إخافة الإسرائيليين، وأثار نجاحه سلسلة من المحاكاة. فقد نقل الفلسطينيون الانتفاضة من المناطق إلى داخل إسرائيل، بداية بطعن السكاكين وبعد ذلك بالعمليات الانتحارية. سوريا، إيران، حزب الله وحماس تزودوا بمنظومات واسعة من المقذوفات الصاروخية والصواريخ التي تهدد «دولة تل أبيب»، حيث يتركز معظم السكان ويكاد يكون كل النشاط الاقتصادي.
الحرب التي انتهت بانتصار أميركي ادت إلى المسيرة السلمية الإسرائيلية ــ العربية، التي بدأت في مؤتمر مدريد. ولكن رئيس الوزراء اسحق شامير لم يحسب الضرر الذي لحق بالجبهة الداخلية كسبب لتغيير سياسته التي رفضت كل انسحاب من المناطق أو إبطاء للاستيطان. وقد جر إلى مدريد فقط تحت الضغط الأميركي.
خليفته، اسحق رابين، كان أول السياسيين الإسرائيليين الذين استوعبوا التهديد على الجبهة الداخلية واستخلص منه استنتاجات سياسية. كوزير للدفاع قلق رابين من قدرة صمود السكان حتى قبل حرب الخليج، حين رأى إصابات الصواريخ في «حرب المدن» بين بغداد وطهران في المراحل الأخيرة من الحرب الإيرانية ـــ العراقية. الإيرانيون، الذين تعرضوا لقدر اكبر من الصواريخ، استسلموا وطلبوا وقف النار. في اثناء حرب الخليج، عندما كان نائبا في المعارضة، نزل رابين ثمانية طوابق من شقته في حي نافيه افيفيم إلى الملجأ. التجربة غير اللطيفة أثرت عليه، لدى عودته إلى الحكم، للسعي نحو حل وسط مع الفلسطينيين والسوريين. وعلل رابين نهجه بالخوف من أن يجد مواطنو إسرائيل صعوبة في الصمود امام هجوم واسع على الجبهة الداخلية.
حرب لبنان
مرت 15 سنة وقدرة الصمود للجبهة الداخلية اختبرت مرة أخرى في حرب لبنان الثانية. الثلث الشمالي لإسرائيل تعرض للهجوم الصاروخي من لبنان. هذه المرة أطلق على إسرائيل نحو 4 آلاف صاروخ، أكثر بمئة ضعف مما في حرب الخليج. مئات الآلاف فروا من مناطق الخطر، المنظومات المدنية وجدت صعوبة في أداء مهامها والجيش الإسرائيلي لم ينجح في وقف نار حزب الله. الحرب انتهت بالتعادل. ولكن في الجيش فهموا الحاجة إلى ملاءمة المفاهيم ومبنى القوة مع التهديد المتغير.
لقد دارت حرب الخليج في معظمها بعيدا عن إسرائيل؛ مركز البلاد بقي خارج مدى الصواريخ في حرب لبنان الثانية. ولكن الحربين أوضحتا التحديات التي ستقف أمامهما إسرائيل في حرب شاملة.
ايهود باراك، الذي عين بعد لبنان 2 وزيرا للدفاع، تبنى نهجا معاكسا لموقفه كرئيس للأركان. وهو اليوم يؤيد بحماسة منظومات الدفاع ضد الصواريخ مثل حيتس وقبة حديدية، ويؤمن بأنه في غضون خمس سنوات سيكون ممكنا تحصين الجبهة الداخلية. الجيش الإسرائيلي يفهم بأن قيادة الجبهة الداخلية، التي خلفت الدفاع المدني العجوز، ستكون القيادة الأهم في الحرب التي «ستصبح فيها تل أبيب جبهة»، على حد قول رئيس شعبة الاستخبارات المعتزل اللواء عاموس يدلين.
الحرب القادمة
في الجيش لا يرون في هجوم صاروخي على الجبهة الداخلية تهديدا وجوديا، مثل التخوف ــ الذي أزيل حاليا ــ من غزو لقوات مدرعة تمزق أجزاء من الدولة. في الحرب القادمة، كما يقدرون، سيقع مئات القتلى المدنيين وليس الآلاف، مثلما في التوقعات المقلقة التي تنشر أحيانا. يتوقعون بأنه بعد امتصاص الضربة الأولى سينجح الجيش الإسرائيلي في تخفيض نار العدو حتى وان لم يتمكن من وقفها تماما.
الاعتراف بقوة النار المتصاعدة لحزب الله وحماس يؤثر على إسرائيل التي تبتعد عن نشاطات عسكرية وتمتنع عن هجوم على منشآت النووي في إيران. ولكن حتى لو تغير التهديد على إسرائيل، فإن الرد العسكري يبقى على حاله من حيث الأساس. ومثلما في عهد وينغيت ودافيد بن غوريون اليوم أيضا يستعد الجيش الإسرائيلي لنقل الحرب إلى ارض العدو، إذا ما تعرضت إسرائيل للهجوم. وضد التهديد على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، يقترح الجيش الإسرائيلي الهجوم على مواقع حيوية في الجانب الآخر يهدد حكمه وبقاءه، ما يسمى «عقيدة الضاحية». وبلغة أقل كياسة، دمار مقابل دمار. مثل بن غوريون فإن كبار قادة الجيش الإسرائيلي اليوم يعتقدون بأن إسرائيل ملزمة بأن تسعى إلى حرب قصيرة ــ يوم، يومان، ثلاثة ــ وألا تنجر إلى مواجهة طويلة تتآكل فيها شرعية عملها، ويتسع الضرر المعنوي والاقتصادي بالجبهة الداخلية ويتمكن العدو من الادعاء بأنه «بقيت واقفا على قدمي وانتصرت».
