يُحتمل ان تكون البشرى الكبرى التي خرجت من زيارة مؤيدي مبادرة جنيف في رام الله في التاسع عشر من ديسمبر انه لا يزال يختبئ في مكان ما هناك، في المناطق وفي إسرائيل، «معسكر السلام» إياه الذي يُخيل انه كاد يختفي عن الميدان. بتعبير آخر، اذا ما استخدمنا شعار مبادرة جنيف، فانه «يوجد شريك».

نحو ‬200 شخص، إسرائيلي وفلسطيني ؟ اكتظوا في قاعة المؤتمرات في المقاطعة لسماع اقوال المضيف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) وتناول وجبة الغداء معه. من الصعب تخيل رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، يدعو إلى مكتبه/ بيته عشرات المسؤولين الفلسطينيين الكبار، بعضهم من رجال قوات الأمن، ممن شاركوا في القتال ضد إسرائيل. ولكن هكذا بدت الامور أمس.

قبل الساعة الثانية عشرة ظهرا بقليل ظهر في مبنى المقاطعة عشرات الإسرائيليين، من مؤيدي مبادرة جنيف. بعضهم نواب حاضرون وسابقون، ثعالبة معارك سياسيين ؟ من حزب العمل، ميرتس، كاديما بل ومن الليكود. آخرون ضباط سابقون في الجيش الإسرائيلي، ثعالب معارك حقيقيون، ممن كانت زيارتهم الاخيرة في المكان في عهد الحصار على ياسر عرفات.

وانضم اليهم ايضا أعضاء منظمات اليسار المعروفة، منتدى العائلات الثكلى، مركز بيرس للسلام، السلام الآن وغيرها. والى جانبهم جلس عشرات كبار المسؤولين من فتح وم.ت.ف. كل أعضاء اللجنة المركزية لفتح تقريبا (باستثناء أفراد قلائل) وأعضاء اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، مع أعضاء مبادرة جنيف من الجانب الفلسطيني برئاسة ياسر عبد ربه.

حق الكلام أخذه بداية أبو مازن. وكانت اقواله ايجابية جدا ولعل الخطأ الأكثر جسامة للمنظمين الفلسطينيين هو انهم منعوا وجود كاميرات تلفزيونية (يتبين ان للطرف الفلسطيني ايضا توجد اعتبارات سياسية داخلية خاصة به). أبو مازن، الذي للحظة خُيل انه يعرض سجل المحادثات بينه وبين المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين، ركز على النقاط التي اتفقت عليها إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الماضي، في اثناء الاتصالات بينه وبين رئيس الوزراء السابق اهود اولمرت.

ووصف أبو مازن كيف تحقق اتفاق في موضوع الترتيبات الأمنية ؟ حول تواجد قوات من طرف ثالث، أغلب الظن الناتو، بقيادة الولايات المتحدة في المناطق بعد الانسحاب الإسرائيلي من الضفة. وحسب أبو مازن، فقد رحب الرئيس المصري حسني مبارك والملك الاردني عبد الله الثاني وباركا هذه التفاهمات. في مسألة الحدود وصف عباس كيف توصل الطرفان إلى الحد الأدنى من الفرق. «شعرنا بأننا اذا ما حلّينا مسألة الحدود، سيكون ممكنا حل كل ما تبقى ايضا»، قال. وادعى الزعيم الفلسطيني بأن رجال رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت هم الذين شرحوا بأنهم لا يمكنهم أن يستمروا في المفاوضات في ظل حملة «رصاص مصبوب». وبعد ذلك، كان منشغلا في شؤونه الشخصية.

بالمقابل، في الجانب الإسرائيلي، كان اول من ألقى الكلمة هو الرجل الذي يعتبره اليسار كمخلِّص له ؟ عمرام متسناع. وربما خلافا لاقتراح الوزير افيشاي برفرمان لم يحاول متسناع الغمز للوسط. فقد أوضح بأن الضيوف الإسرائيليين في المقاطعة، مثل معظم الإسرائيليين، يفهمون انه في كل اتفاق سلام مستقبلي، القدس ستُقسم وستقوم دولة فلسطينية مستقلة.

وقد أثنى على عباس لاستعداده التوجه إلى الإسرائيليين والحديث اليهم وقال: «أعرف ان هناك شريكا لانهاء تاريخ سفك الدماء». وعندها جاء دور خطباء كثيرين آخرين، وبالطبع، الطعام. سلطة، محاشي ولحم ضأن مع الأرز، كل طباخ في مطعم فاخر في إسرائيل يمكنه فقط أن يحسده، مع كنافة كعُقبى. وفي الختام روى عباس بأن لديه ثمانية أحفاد، اربعة منهم سافروا إلى الولايات المتحدة للمشاركة في معسكر لمنظمة «بذور السلام». كان بودي أن يشاركوا في المعسكرات في حيفا وفي أريحا ايضا. غيّرنا ثقافة الارهاب والعنف إلى ثقافة السلام والاستقرار.