كيف تُعرَّف إسرائيل بأنها دولة ليبرالية حديثة في حين أن رجال الدين اليهود فيها هم الذين يقررون كل الشؤون المهمة؟

التباحث في قوانين التهويد مضلل. فهو يجري في ساحة بعيدة مظلمة، ويتناول الصغائر، ويمس في ظاهر الامر مصير قليلين ويهم أقل منهم. بيد ان الحقيقة التي تكمن وراءه كان يجب أن تقلق كل إسرائيلي. فهي تتعلق بأكثر المسائل جوهرية للمجتمع والدولة.

العرب والأجانب

إن الحجة في إسرائيل للحاخامات، وكان يمكن أن نستدل على تصور أكثرهم في المدة الاخيرة من فتواهم في شأن ايجار العرب والاجانب شققا. يقترح حاخام «معتدل» «مصالحة»: وهي ايجار «عرب أخيار» فقط شققا، ويقول حاخام «معتدل» آخر انه «لا حكمة» في رسالة الحاخامات، ولا يذكر كلمة واحدة عن الاخلاق وعن العدل. أكثرهم ضيق الأفق على نحو مخيف، ومصاب بالخوف ومؤجج لكراهية الاجنبي الذي لم يلقوه قط. ماذا يعرفون عن العالم؟ وعن حقوق الإنسان؟

انهم مقتنعون ويُقنعون بأن الحديث عن الشعب المختار، الذي لا يجوز الدخول فيه ولا حتى التماس معه لمن هم أقل منه قدرا، وهم يعيشون في نطاق بلدتهم الضيقة، وأكثرهم جاهل أعمى عن كل ما يتعلق بما يحدث خارجها. انهم حجبتنا وهم الذين يرسمون صورتنا الحقيقية. ان الحاخامات مثل فتوّات الانتقاء البغيض في نوادي الرقص يحددون صورة الحفل كله، وهذا الحفل هو حفل ديني ظلامي.

اليهودية ديانة

كان يجب ان تستخرج مسألة التهويد من مكمنها مسألة أعمق: فاذا أردنا الحكم بحسب قوانين التهويد، اتضح أن اليهودية ديانة، وديانة فقط، لا قومية ولا شعب ولا يوجد بعد «لا شعب يهودي ولا شعب إسرائيل». اذا كان الحاخامات هم الذين يقفون على الباب، فان الحديث عن انضمام إلى دين وعبادة لا إلى شعب ودولة. في دولة إسرائيل «العلمانية» لا امكانية للانضمام للشعب اليهودي والبقاء علمانيا. فكيف ندعي ان اليهودية ديانة وقومية أيضا اذا كان الانضمام اليها يعتمد فقط على معايير شرعية وعلى فتاوى حاخامات؟ ماذا عن أولئك الذين يريدون الانضمام إلى «شعب إسرائيل» وهم لا يؤمنون بالله؟ لماذا ما تزال كلمة مُلحد كلمة معيبة في إسرائيل لا يجوز ذكرها؟ هل الدخول للمتدينين فقط؟ في دولة شريعة فقط.

تعالوا نعترف بأنه في أساس الشأن كله ثمة توجه لا سبيل سوى أن نسميه عنصريا؛ اجل، هذه الكلمة المبتذلة. هكذا تكون الحال عندما يكون الدم الجاري في العروق هو الذي يقرر. اذا كان حفيد لامرأة يُشك في يهوديتها من أقصى الأرض يستحق الحصول على جنسية على نحو آلي بوصوله إلى هنا، ولقي جندي في الجيش الإسرائيلي غير يهودي، اختار أن يحارب وان يعيش هنا، حواجز الحاخامات، فان الحديث ليس عن حكم شرعي بل عنصري أيضا. اذا كان ابن الأرض العربي مُقصى، وابن «سبط منشيه» من بورما يُستقبل بالترحيب وبالحقوق كلها، لان حاخاما اعترف به فقط، فان الحديث عن حكم ديني مظلم. بعد إنشاء الدولة بـ‬62 سنة، حان وقت استجماع الشجاعة وتغيير هذه القاعدة الاشكالية التي نشأت عليها.

المعايير المدنية

يجب على إسرائيل وقد أصبحت قوية بقدر كاف الاستمرار في كونها بيتا أو ملاذا لكل يهودي، لكن ليس لهم وحدهم. حان الوقت للحياة الطبيعية، والانضمام إلى العالم المستنير، الذي تقرر فيه قوانين الهجرة بحسب معايير مدنية، ومدنية فقط. لا الدخول للجميع، فلا يوجد كهذا الامر في العالم، لكن معايير دولة ومجتمع لا إله وشريعة.

بيد أن هذا يبدو عند أكثر الإسرائيليين الذين نشأوا في هذا الواقع الأعوج باعتباره واقعا طبيعيا لا محيد عنه، وكأننا نشبه جميع الشعوب والدول. من الطبيعي العيش في دولة لا يوجد فيها نقل عام في السبت، ومن المحتمل ان يوجد على عضادة كل باب بيت أسس العقيدة، ومن المألوف ألا يوجد فيها إمكانية زواج مدني، وأن توجد فيها قوانين دينية واضحة، وان يكون رجال الدين هم الذين يقررون وحدهم من ينضموا إلى شعبها. لا يكاد يثور أي احتجاج على كل ذلك. بل ان النقاش العام اذا تم أصلا كان محدودا في المسائل الهامشية فحسب كالحاخامية العسكرية أو الرئيسة. فهل بعد كل هذا نُعرِّفها في نظر انفسنا بأنها دولة ليبرالية وحديثة؟