كشف مدير مركز تونس لحرية الصحافة محمود الذوادي، عن أنّ «الإعلام تجاوز الخطوط الحمراء وانتقل من كونه ضحيّة الديكتاتورية إلى ضحيّة الانفلات»، ما أدى بدوره إلى ضعف المستوى المهني والمنتج الصحافي.

وأضاف الذوادي: «لن أضيف جديداً إن قلت إنّ «فيسبوك» مثلاً دمّر أسراً كثيرة في تونس وخرب بيوتاً»، مشيراً إلى أنّ «صورة الصحافي التونسي أهتزت لدى الرأي العام بسبب تصرفات بعض المحسوبين على قطاع الإعلام»، لافتاً إلى أنّه «يجري الآن العمل على تغيير أسس العلاقة بين رجل الأمن والصحافي من صدامية إلى تعاونية عبر تدريب عشرات الأمنيين، وجلسات الخبراء من وزارة الداخلية مع الصحافيين لوضع ميثاق يحدّد حقوق كل طرف وواجباته».

وأوضح أنّ «الوقت قد حان للعمل على خلق جيل جديد من الصحافيين لا يتأثر بالصراعات السياسية ويتأقلم مع ثورة تكنولوجيا الاتصال حتى يكون قريبا من المتلقي ومتمكناً من أدواته وممسكا بصلاحياته ومتحصنا بهويته المهنية.

وفيما يلي نص الحوار بين الذوادي و«البيان»:

كيف ترى واقع الإعلام في تونس؟

بالنسبة للصحافي المحترف أعتقد أنه بدأ يفقد هويته، أولاً نتيجة هذا الانفجار الالكتروني الذي حرم الصحافي من أن يكون وحده مصدر الخبر، وثانياً لأن صورة الصحافي اهتزت لدى الرأي العام بسبب تصرفات بعض المحسوبين على قطاع الإعلام، حيث يتقاطع الإعلامي مع رجل السياسة ورجل المال والأعمال، ما يدفع به إلى معارك لا علاقة لها بحرية التعبير، ويتم استغلال أخلاقيات المهنة إلى درجة اهتزاز صورة الصحافي وتشوهها بكل أشكال الانتهازية والابتزاز في نظر المواطن.

مثلاً في المعارك الانتخابية التزمت القاعدة العامة للمهنيين بالضوابط، إلّا أنّ انحياز البعض إلى أطراف سياسية بشكل فعّال، وتأثيرهم في توجيه الرأي العام، ساعد بشكل كبير في صعود قوى سياسية وسقوط أخرى اعتمادا على دور الاعلاميين لا أكثر.

ما هو مدى تأثير هؤلاء الصحافيين؟

المشكلة أنهم ليسوا صحافيين عاديين وإنما هم نجوم في المجال، ما يعني أنهم فاعلون أساسيون في تشكيل الضمير الانتخابي بما يخدم الجهات التي ينتمون إليها أو يعملون لصالحها، كما أنهم يستغلون نجوميتهم في توجيه الرأي العام الى اهدافهم ولو عبر تزوير الحقيقة وتشويه هذا الطرف أو ذاك.

خطوط حمراء

هل يعني هذا أنّ الإعلام صار محل صراع سياسي في تونس؟

فعلاً تحول الإعلام إلى أرض مشاع في تونس، ورغم المكاسب التي تحقّقت بحيث أنّنا بلغنا سقفاً غير مسبوق من الحريات، فإن الوقائع تؤكد أننا تجاوزنا الخطوط الحمراء في أحايين كثيرة، كما أننا لم نخرج حتى الآن من حالة الإنفلات الشامل التي ميّزت مرحلة ما بعد الثورة، علينا الاعتراف أن المستوى المهني والمنتوج الصحافي قد انحدرا، وباتا رهينين الى المال والسياسة، والنتيجة هو خوفنا من أن يحمّل المتلقي المسؤولية المهنية والاخلاقية لجميع أهل المهنة دون تمييز. وعلينا الاعتراف بأن الإعلام الذي كان في ما مضى ضحية للديكتاتورية السياسية بات اليوم ضحية الانفلات التي يساهم هو ذاته في صناعتها.

كيف تنظرون إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في بلورة الواقع التونسي؟

في المشرق العربي هناك هيمنة ملحوظة لـ «تويتر» يقابلها حضور متقدم لـ «فيسبوك» في تونس وشمال إفريقيا، ونحن أمام معضلة حقيقية وهي أنّ مواقع التواصل الاجتماعي باتت مصدراً للخبر للصحافيين والساسة والمواطن العادي، كما أنّها تلعب دوراً خطيراً في التجييش وتؤثر على الرأي العام بعد تراجع دور الصحافي المحترف أمام اتساع دائرة حضور الصحافي المواطن.

أي دور سياسي لهذه المواقع؟

في تونس هناك أكثر من ستة ملايين حساب على «فيسبوك» الذي لعب دوراً حاسماً في صعود بعض السياسيين الجدد وصنع منهم نجوماً، كما انطلقت منه منصّات للحرب الإعلامية المعلنة حتى بالنسبة للأحزاب الكبرى، وهناك أحزاب جندت جيوشاً الكترونية لتشويه المنافسين واستبعادهم من ساحة السباق اعتمادا على أخبار زائفة وصور مفبركة ومعلومات تم تصنيعها في مخابر الدعاية السياسية بغرض الإيذاء.

ولعل ما يزيد في عمق المسألة أنه لا يوجد في تونس حالياً قانون يجرّم ما يرتكب في مواقع التواصل الإجتماعي من جرائم وهو ما يتعارض مع قوانين النشر في العالم، ولن أضيف جديداً إن قلت إنّ «فيسبوك» مثلاً دمّر أسراً كثيرة في تونس وخرب بيوتاً.

تجنيد إرهابيين

وما دور هذه المواقع في دعم الإرهاب؟

هناك إحصائيات ودراسات تؤكد أنّ أغلب من تمّ تجنيدهم من إرهابيين تونسيين ثم تسفيرهم إلى ساحات القتال كسوريا والعراق وليبيا، جرى استقطابهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تقوم المنظمات الإرهابية باستهداف صغار السن والمراهقين عبر «بورصة الجهاد في تونس» وتأهيلهم وتسويقهم في ساحات الحروب في غفلة من أوليائهم وأجهزة الدولة،وتواطؤ من بعض الاطراف المحلية والإقليمية والدولية.

كيف تقيمون أخطاء الصحافيين؟

ما يقلق ويزعج مركز تونس لحرية الصحافة هو أن يكون الصحافي في الموقع الخطأ، في هذه الحالة نحن بين أمرين أحلاهما مرّ، إما أن تنصر زميلك ظالما أو مظلوماً وهذا خطأ مهني وأخلاقي، أو أن تجعله يتحمل مسؤوليته نظرا لأنّ المعارك التي يختلقها لا علاقة لها بالمنتج الصحافي، نحن ندافع عن الصحافي عندما يتعرض للإعتداء بسبب عمله، لذلك استغرب البعض عدم دفاع المركز عن بعض من تورطوا في قضايا كبرى.

أسس علاقة

إلى أين وصلت العلاقة بين الصحافي ورجل الأمن؟

العلاقة بين رجل الأمن والصحافي كانت صدامية في الماضي، لذلك عملنا مع منظّمات أخرى على تغيير هذه الصورة النمطية، ودربنا عشرات الامنيين، بل وأتحنا الفرصة ليجلس الخبراء من وزارة الداخلية مع الصحافيين ويضعوا ميثاقاً يحدد حقوق كل طرف وواجباته.

في بعض الأحيان تكون الإعتداءات الأمنية على الصحافيين مهينة وغير مقبولة، لاسيّما عندما تكون متعمدة ومن ذلك أننا سجلنا في قبل أشهر تجاوزات كادت تؤدي إلى كارثة حقيقية فقد عمد بعض الأمنيين إلى رفع السلاح في وجه الصحافيين في مناطق شهدت عمليات إرهابية وبرروا ذلك بالاحتياطات والإجراءات الأمنية، نحن نقدّر أن الأمن دفع ضحايا في مواجهة الإرهاب، ولكن لا يجب أن تكون مقاومة الارهاب ذريعة للإعتداء على الصحفيين، لكن في نفس الوقت نحن نطلب من الصحفيين ان يحترموا العمل الأمني خاصة وأن بعض وسائل الإعلام ارتكبت اخطاء قاتلة أثناء تغطية الأحداث الارهابية.

عقدة ذنب

برأيك من المسؤول عن الإنفلات الإعلامي في تونس؟

الانفلات يعود إلى إحساس الدولة كرمز بعقدة ذنب تجاه الإعلام قبل الثورة، وبالتالي صارت تتهيّب التدخل حتى عندما يكون من حقها الردّ، وأنا اعتبر هذا الموقف شكلاً من النفاق، وما يثير خشيتنا فعلاً هو أن تراكم الدولة تلك المواقف قبل أن تتغوّل في مرحلة لاحقاً، ولذلك فنحن نركّز على تدريب الصحافيين على بناء قدراتهم في مجال الثقافة القانونية والمهنية.

أعتقد أن الوقت حان للعمل على خلق جيل جديد من الصحافيين لا يتأثر بالصراعات السياسية ويتأقلم مع ثورة تكنولوجيا الاتصال حتى يكون قريباً من المتلقي ومتمكناً من أدواته وممسكا بصلاحياته ومتحصنا تحصنا كاملا بهويته المهنية.

هناك مشكلة تواجه الصحافة المكتوبة كيف ينظر إليها المركز؟

فعلاً الصحافة المكتوبة في تونس تأثرت بالثورة التقنية لاسيّما الإعلام الالكتروني، كما أن أزمة الصحف التونسية لها أسباب أخرى منها فقدانها ثقة القاريء والفوضى في توزيع الإعلان وضيق السوق المحلية وضعف الدورة الاقتصادية وكثرة العناوين الصادرة بعد إلغاء التراخيص، وأعتقد أن صحافتنا المكتوبة يمكن أن تتجاوز منطقة الخطر بتطوير أدائها لاسيّما مواقعها الالكترونية وتقديم الخدمات للقاريء والحصول على الدعم الحكومي الضروري.