أكدت رئيسة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي في حوار خاص مع «البيان» أن جماعة الحوثي حركة أيديولوجية ذات طبيعة عابرة للحدود تحظى بدعم وإسناد مادي ومعنوي من قوة إقليمية ذات أطماع جيوسياسية واضحة في المنطقة، ما يعني ضرورة وضع خطط استباقية للتعامل مع أية محاولات توسعية للحركة خارج حدود الدولة اليمنية.

وقالت إنه على الرغم من ممارسات الانقلابيين الهمجية في اليمن في التعامل مع الصحافيين وتزوير وتشويه الحقائق واختلاق الأكاذيب ونشر الشائعات المضللة، إلا أن المؤسسات الإعلامية الإماراتية بذلت جهوداً جبارة لمواكبة الأحداث ونقل الصورة الصحيحة لما يجري للمُشاهد والمتابع محلياً وعربياً وعالمياً، وبعد حادثة استشهاد كوكبة الشهداء الإماراتيين في اليمن أظهر أداء الإعلام الإماراتي درجة عالية من المسؤولية والحرفية.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

كيف رصدتم كمركز سياسات نشأة وتطور الحركة الحوثية في اليمن؟ وما هي الأهداف الحقيقية التي تسعى الحركة إلى تحقيقها؟ وهل لهذه الحركة بنية فكرية وسياسية واضحة المعالم، أم أنها مجرد أداة صُنِعت لتحقيق أطماع وأهداف قوى إقليمية ودولية؟

لقد استشعر مركز الإمارات للسياسات منذ تأسيسه في سبتمبر 2013 خطورة التجاذبات السياسية والمذهبية والعسكرية في بُنية الحركة الحُوثية واحتمالات تفاعلها مع اختلالات المشهد السياسي اليمني بما يؤدي إلى تفاقم الصراع بين أطراف العملية السياسية في اليمن وازدياد مخاطر المواجهات العسكرية، وبالتالي تحول اليمن إلى ساحة صراع أهلي وطائفي في خاصرة دول الخليج العربية، فكانت ورشة العمل المغلقة التي عقدها المركز حول الحركة الحوثية في اليمن تحت عنوان: «الحَرَكة الحُوثية؛ تجاذُبات السياسة والعسكرة والتمَذهُب» في أبوظبي 3 مارس 2014.

وخلصت الورشة إلى أن طبيعة النموذج الذي تنتهجه الحركة الحوثية تقتضي النظر إليها باعتبارها مُهدداً مفترضاً لدول الجوار اليمني، فهي حركة أيديولوجية ذات طبيعة عابرة للحدود، وتحظى بدعم وإسناد مادي ومعنوي من قوة إقليمية ذات أطماع جيوسياسية واضحة في المنطقة، ما يعني ضرورة وضع خطط استباقية للتعامل مع أية محاولات توسعية للحركة خارج حدود الدولة اليمنية.

أما بالنسبة للبنية العقَدية والفكرية للحركة الحوثية فهي تنطلق من الادعاء بأن الولاية هي حق حصري لسلالة معينة في اليمن. فالحوثيون يسعون إلى إقامة حكومة عالمية عابرة للحدود كما هو الحال بالنسبة للتنظيمات الإرهابية المشابهة مثل «القاعدة» و«داعش»، وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف المزعوم لا يتوانون عن ارتكاب أفظع المجازر واقتراف أكبر الجرائم بحق المخالفين بغض النظر عن انتماءاتهم وأديانهم وأعراقهم.

ما حقيقة الدور الإيراني في ظهور ودعم الحركة الحوثية؟ وهل هناك أدلة على إمداد إيران لمليشيات الحوثي بالأسلحة الحديثة، وما سر استمرار هذه المليشيات رغم الضربات الموجعة التي تتلقاها من دول التحالف جواً وبراً؟

جاء الدّور الإيراني في السّاحة اليمنية مِن البوابة الحوثية بشكل أخص، وهو الذي أعطى للمستوى الذي وصلت إليه الحركة الحوثية عسكرياً وسياسياً واجتماعياً أهمّيته في الحسابات الإقليمية، فالحركة أصبحت أشبه بسلاح في يد النظام الإيراني، وهو موجَّه نحو خاصرة دول الخليج العربية.

فقد عوّلت بعض الأوساط الزيدية على دورٍ في اليمن لإيران التي كان لها بالفعل اتصالات مبكرة أسفرت في 1986 عن مشاركة وفد في احتفالات إيران بذكرى «الثّورة» . ومن ثم، تمّ تأسيس «اتحاد الشباب المؤمن» مطلع 1987 في صعدة، تلاها تأسيس «حزب الحق» العام 1990 الذي انشق عنه بدر الدين الحوثي وابنه حسين الحوثي في 1996 ليقوم الأخير بتأسيس الحركة الحوثية.

ومع أن الاهتمام الإيراني باليمن، وسعيها للحصول على مواقع نفوذ فيها، أمرٌ يتعلق بمنظومة أهداف استراتيجية كبرى، يتقاطع فيها السياسي مع الاقتصادي والأمني، إلا أنّ للبعد الدّيني المذهبي حضوره أيضاً.

وتمكنت إيران من التأثير على الحوثيين ضمن إطار «التشيع السياسي»، وهو الأهم، فالجوانب العقَدية والفقهية ليس ذات أولوية في المشروع الجيوسياسي الإيراني، وما يؤكد ذلك هو تمكنها من نشر طقوس عاشوراء في 2014 لأول مرة.

وأظهرت إيران مقدرة على تجاوز الخلافات مع مختلف الفرق التي تنطوي في إطار الاعتقاد بالإمامة، حيث برز ذلك في علاقتها مع العلويين في سوريا وتركيا. واشتغلت الحركة الحوثية في تدريب بعض عناصر وحداتها القتالية على خبراء مِن الخارج في هذا الاتجاه بشكل مضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة (2011 – 2015)، بحيث أصبح عدد مسلحيها المدرَّبين، الذين يتلقون تدريبهم على أيدي خبراء من إيران وحزب الله اللبناني في ازدياد مشهود.

ولم يعد سراً أن للحركة، حتى في صنعاء ذاتها، مناطق مغلقة يتلقّى فيها عناصرها التدريب على يد خبراء من الحرس الثوري، حيث أثبتت أحداث سبتمبر 2014 وجود عناصر تدريب واستشارة من حزب الله والحرس الثوري يعملون مع حركة الحوثي خارج اليمن وداخله. وكان العالم كله شاهداً على الجسر الجوي الذي أقامه الحرس الثوري لدعم الحوثيين بالسلاح بعد انقلاب سبتمبر 2014.

وعدا عن توافر السّوق المحلية في اليمن على أنواع مختلفة مِن الأسلحة، بما فيها المتوسطة وبكميات كبيرة، الذي كان إحدى سُبُل تسليح الحوثيين، مثَّلت عمليات نهب سلاح الدولة اليمنية مصدراً أساسياً لتسليحهم بعد احتلال صنعاء وانقلابهم على السلطة في فبراير 2015، إذ صار سلاح الدولة اليمنية في يدها، وأصبحت تمتلك مخزوناً من الأسلحة الثقيلة، علاوة على القدرات الصاروخية، ومنظومات الدفاع الجوي، وحتى الطائرات المقاتلة.

الإعلام والحرب

ما هو تقييمكم لتغطية وسائل الإعلام الإماراتية بشأن أزمة اليمن منذ اندلاعها وحتى الآن؟ وما هو المطلوب؟

لا شك أن التغطية الإعلامية للأحداث في اليمن كانت ولا تزال عملية بالغة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر بالنسبة لمختلف وسائل الإعلام المحلية والعالمية. فالانقلابيون بما عُرف عنهم من همجية لا يترددون في قمع وقتل الصحافيين وتزوير وتشويه الحقائق واختلاق الأكاذيب ونشر الشائعات المضللة. ومع ذلك، بذلت المؤسسات الإعلامية الإماراتية جهوداً جبارة لمواكبة الأحداث، ونقل الصورة الصحيحة لما يجري للمُشاهد والمتابع محلياً وعربياً وعالمياً.

وبعد حادثة استشهاد كوكبة الشهداء الإماراتيين في اليمن أظهر أداء الإعلام الإماراتي درجة عالية من المسؤولية والحرفية، بحيث التزم الشفافية الكاملة على الرغم من وقع الحدث وحجم المُصاب، ما أدى إلى تفويت الفرصة على العدوّ المتربّص للإساءة للموقف الإماراتي المشرف، والجهد البطولي والإنساني العظيم المبذول في الساحة اليمنية. لقد كانت دولة الإمارات العربية المتحدة على الدوام تنطلق في طور بناء مؤسساتها الوطنية من رؤية واستراتيجية شاملة، توجِّهُها قيادة واعية وحكيمة.

ولذلك فإننا نحصد اليوم ثمار هذا الغرس المبارك. ونتيجة لعدالة الموقف، وصدقية الأهداف السامية لتحرُّك قواتنا المسلحة للدفاع عن أمن الوطن والمنطقة، كاشفت وسائل الإعلام المحلية الجمهور بشفافية كاملة قبل وبعد حادثة استشهاد جنودنا البواسل.

صراع طائفي

هل نجح الإعلام العربي مقابل الإعلام المعادي في توضيح أهداف الضربات الجوية خاصة فيما يتعلق بنجاح الضربة في تدمير الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية التي كانت تشكل تهديداً لأمن السعودية ودول الخليج؟

أعتقد أن النجاح الأكبر للإعلام العربي كان في منع تحويل المعركة مع الحوثيين إلى صراع طائفي، فقد كان الحوثيون ومن ورائهم إيران يعملون بشكل حثيث على تقديم وجه طائفي بغيض للصراع السياسي في اليمن، بحيث تصبح التنظيمات الإرهابية مثل «القاعدة» و«داعش» والمليشيات المتعددة هم الفاعلون في الميدان بدلاً من دول التحالف العربي.

لكنّ وعي صانع القرار في دول التحالف العربي، ومن خلفه المؤسسات الإعلامية العربية أحبط هذا المخطط، ووضع الصراع حيث يجب أن يكون. وباءت محاولات الحوثي لاتهام خصومه بالفشل، حيث أدرك العالم أجمع أن الحوثي ومن ورائه إيران يسعى إلى جرّ اليمن إلى حرب طائفية طويلة الأمد. ولذلك، تمكنت الدبلوماسية العربية من انتزاع تأييد دولي واسع لعمليات «عاصفة الحزم» و«عاصفة الأمل» و«السهم الذهبي».

دور الإمارات

منذ بداية الأزمة اليمنية قدمت دولة الإمارات الملايين لمساعدة الشعب اليمني، مما يؤكد التزام القيادة الرشيدة للدولة، وحرصها على شعب اليمن وعودة الشرعية، كيف تقيمون ذلك؟

اليمن في قلب وعين الإمارات اليوم وغداً، كما كانت في قلب وعين الراحل المؤسس المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. فالإماراتيون لم ينسوا يوماً أن اليمن هي منشأ العرب والعروبة، ولذلك فقد افتدوها بدمائهم، وقدموا أبناءهم شهداء لحمايتها من السقوط تحت عباءة المشاريع الظلامية، ومن يقدم ضريبة الدم لا يُستغرب منه أن يقدم بعد ذلك أي عون أو مساعدة. وأنا على يقين أن الإمارات ومعها كل الدول الشقيقة والصديقة لن تتوانى في الوقوف إلى جانب اليمن حتى يتجاوز هذه المحنة بعون الله وهو أكثر قوة وتلاحماً وصلابة.

نظام إقليمي

أكدت رئيسة مركز الإمارات للسياسات د. ابتسام الكتبي بخصوص توقعاتها بشأن مستقبل الصراع في اليمن أنه «لا بدّ من التوصّل إلى تفاهمات إقليمية قبل إنضاج الحلول الداخلية بين الأطراف المتصارعة، فالمنطقة تشهد تبلوُر نظام إقليمي جديد».

وأردفت: «لكن ما هو مؤكد أن لعاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية استحقاقات لا بدّ أن تدركها جميع الأطراف الأخرى على المستوى الإقليمي». وتابعت أن «احتفاظ الحوثيين ومعهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح بأي من مكتسبات الانقلاب غير الشرعي أمر بعيد الاحتمال».