شدّد رئيس كتلة حزب الاتحاد الوطني الحر في البرلمان التونسي محسن حسن على ضرورة إنجاز المصالحة الوطنية في أقرب وقت ممكن لإنقاذ الاقتصاد وتوحيد التونسيين، مشيراً إلى أنّ «نحو 22 مليار دولار أموالاً مهرّبة في مصارف أجنبية يمكن استعادتها عن طريق إنجاز المصالحة».

وأبان حسن في حوار مع «البيان»، أنّ «الاحتجاجات الاجتماعية من شأنها فتح ثغرات ينفذ منها الإرهاب إلى عمق البلاد التي تعاني مخاطر شتى».

وفيما يلي نص الحوار بين حسن و«البيان»:

كيف ترون مشروع المصالحة الذي يتعرض حالياً لانتقادات واسعة من قبل المعارضة؟

لا مفّر من المصالحة التي أعتقد أنها تأخرت كثيراً، وأكّدت التجارب السابقة في دول عدة أنه كلما تمّ التعجيل بالمصالحة كانت فرص نجاح الانتقال الديمقراطي أوفر، وهذا ما أكدناه في حزب الاتحاد الوطني الحر الشريك في الائتلاف الحكومي الحالي، والمدافع دائماً عن وحدة البلاد والشعب والمجتمع، والرافض لكل أشكال الإقصاء والإلغاء والثأر والانتقام.

إن المصالحة الوطنية الشاملة ضرورة ملحة، ويجب أن تكون مصالحة سياسية واقتصادية واجتماعية لدوافع عدة، من أبرزها توضيح الرؤية واستقرار المشهد السياسي، وتحقيق مصالحة مالية واقتصادية لدفع الاستثمار وتطهير مناخ الأعمال، وتوفير موارد مالية لخزينة الدولة، أعتقد أن المصالحة يجب أن تتم في أقرب وقت ممكن ومن خلال دور فعال لكل الأطراف على غرار هيئة الحقيقة والكرامة، وهي مؤسسة دستورية تم التوافق على دورها المهم في هذه المرحلة شريطة أن لا تكون متطرفة في مواقفها، ويجب ألا تعتقد أن المصالحة الوطنية شأنها وحدها دون غيرها، وهي مدعوة للانفتاح على مختلف المبادرات الإيجابية التي تدفع في هذا الاتجاه مثل المبادرة التشريعية للرئيس الباجي قائد السبسي.

بوصفكم خبيراً اقتصادياً ما هي المصلحة من المصالحة؟

هناك دراسات تشير إلى أنّ هناك أموالاً تونسية في بنوك أجنبية تتجاوز ميزانية الدولة التونسية، وهي تقدر تقريباً بـ 40 مليار دينار أي حوالي 22 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم يمكن أن يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، كما سيوفر فرص للتنمية في المناطق المحرومة والنائية التي قامت من أجلها الثورة ضد النظام السابق، ثم إنّ مبادرة قائد السبسي يمكن أن تكون مدخلاً جدياً لتحقيق المصالحة الشاملة التي يحتاجها المجتمع، وهي التي ترتكز بالأساس على مصالحة في جرائم الصرف ومصالحة جبائية ومصالحة مع الصناديق الاجتماعية إضافة الى مصالحة مع الجمارك، والمصالحة مع الموظفين السابقين منهم من يتميزون بالكفاءة العالية في مجالات عملهم وبعض أصحاب الأعمال وإيجاد آلية لإعادة الأموال المسروقة إلى المجموعة الوطنية.

تعديلات قانون

أنت تحدثت عن إمكانية إدخال تعديلات على مشروع قانون المصالحة؟

نعم نحن نعتقد أن مبادرة الرئيس الباجي قائد السبسي منطلق مهم جداً لبناء مصالحة، وبالنسبة لحزب الاتحاد الوطني الحر نرى أن تلك المبادرة تحتاج مراجعة وإضافات وتعديلات من خلال النقاش البرلماني، لاسيّما وأننا نرى أنها تعاني بعض النقائص مثل ضرورة إقرار عفو ضريبي عن رجال الأعمال، كما أنّ مشروع السبسي يجب أن يتكامل مع مشروع العدالة الانتقالية وليس يسحب البساط من تحت أقدامها.

نحن نؤمن بأن قانون المصالحة يمكن أن يكون سبباً مهماً في توضيح الرؤية واستقرار المشهد السياسي، وهو مهم جدا في ظل التحديات التي تواجهها البلاد، ومن أبرزها قضية الإرهاب، الذي ما انفك يتمدد في المنطقة ويتآمر على الأمن والاستقرار والسلم المجتمعي في تونس.

كيف تقيّم خسائر تونس من الأزمة الليبية؟

بالتأكيد إن تونس خسرت الكثير نتيجة الانفلات الأمني الذي تعيشه الشقيقة ليبيا ونزوح الآلاف من الليبيين نحو تونس، فليبيا هي الشريك الاستراتيجي رقم واحد في المغرب العربي لتونس و50 في المئة من المبادلات التجارية لتونس كانت مع ليبيا، كما أنّ هناك 100 مؤسسة تونسية تتعامل معها وأكثر من 100 مؤسسة تصدّر إنتاجها بصفة كلية إلى ليبيا.

ومنذ بدايات الأزمة الليبية تراجعت الصادرات التونسية نحو ليبيا بنسبة 75 في المئة، وهو ما من شأنه تعميق عجز الميزان التجاري الذي بلغ حتى الآن سبعة مليارات دينار تونسي، ما يحرم تونس من مبالغ مهمة من العملة الصعبة، ويشكّل ضغطاً على ميزان الدفوعات، ما سيسهم في تراجع قيمة الدينار ونفاذ رصيد البلاد من العملة الصعبة، فضلاً عن تراكم الديون.

لذلك فنحن نطمح إلى أن يتم حل الأزمة الليبية بالتوافق بين الفرقاء، وأن يتم تشكيل حكومة وطنية قادرة على إعادة الأمن إلى التراب الليبي والقضاء على الإرهاب ونزع السلاح بين المتصارعين في إطار شرعية الدولة.

مؤتمر وشيك

على ذكر الإرهاب ماذا تنتظرون من المؤتمر الوطني الذي سيبحث سبل مقاومته؟

اتفقت تنسيقية الائتلاف الحاكم على أن يتولى رئيس الحكومة الحبيب الصيد الإشراف على المؤتمر الوطني لمكافحة الإرهاب المقرر يومي 3 و4 أكتوبر المقبل، الذي سيكون مناسبة مهمة يشارك فيها الفرقاء السياسيون ومنظمات المجتمع المدني والمختصون في مختلف المجالات بأرائهم ومواقفهم، ويأتي هذا المؤتمر بعد المصادقة على قانون مكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال، الذي يعتبر خطوة أولى في سبيل وضع استراتيجية وطنية شاملة للتصدي للظاهرة.

وكنا اقترحنا داخل البرلمان بعث مركز دراسات استشرافية حول الإرهاب يقوم بتقديم معطيات تساعد على فهم الظاهرة والتصدي لها، واتخاذ القرارات الملائمة، مع ضرورة الاهتمام بالرسائل التي تبثها الجماعات الإرهابية، والرد عليها بسرعة والاحاطة النفسية بالعائدين من بؤر التوتر.

هل صحيح أن هناك توجهاً نحو إجراء تعديل وزاري في حكومة الحبيب الصيد؟

لا صحة لذلك، رغم أن الكثير من وسائل الإعلام أشارت إلى أن الحكومة ربما تشهد تعديلاً وزارياً وزارية في الأسابيع المقبلة، وأنا أنفي ذلك نظراً لأن تنسيقية الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحاكم لم تطرح هذا الموضوع في اجتماعاتها مع رئيس الحكومة الحبيب الصيد.

تمسّك بالائتلاف

ولكن حزبكم انتقد التعيينات في سلك الولاة أخيراً؟

فعلاً، ولكن لا صحة لما راج حول نية الاتحاد الوطني الحر مغادرة الائتلاف الحاكم، وقيادة الحزب متمسكة بالائتلاف الحكومي وتعتبر أن الحزب أكثر فاعلية حالياً وأنّه يدعم الحكومة، وأنّ خيار المشاركة في الرباعي الحاكم هو خيار استراتيجي، أما فيما يتعلق بالتعيينات فهناك بالفعل نوع من التململ لدى قواعد حزبنا.

تواجه تونس احتجاجات اجتماعية مكثفة كيف ترى أثرها على البلاد؟

نعتقد أنّ البلاد في حاجة إلى وفاق وحوار اجتماعي مدروس يؤسس لعلاقات اجتماعية جديدة وهدنة اجتماعية بين كل الأطراف تقوم على دحر المطلبية والعودة إلى العمل والإنتاج، كما أنّ العمل والإنتاج هما السبيل الوحيد للخروج من الوضع الراهن وتحقيق الاستقرار الاجتماعي الذي يجب أن يرافقه حوار اقتصادي سريع، وليس بالطريقة التي تم بها في عهد حكومة المهدي جمعة.

وأعتقد شخصيا أن الإضرابات في ظلّ الوضع الأمني المتدهور والتهديدات الإرهابية، لا موجب لها وتهدّد السلم الاجتماعي والمكاسب التي تحققت على المستوى السياسي، لذلك تونس بحاجة اليوم إلى هدنة اجتماعية، وإلى موقف موحد من مجمل القضايا التي نواجهها حتى لا يستغل الإرهاب أي ثغرة داخل المجتمع لينفذ خططه التي تستهدف الجميع ولا تخدم إلا مصالحــه.

كنت أشرت إلى إمكانية تغيير اسم حزبكم فما هو الجديد في هذا الاتجاه؟

بالفعل هنالك إمكانيّة لتغيير طفيف في اسم الحزب والمُتمثل في حذف كلمة «الاتحاد» ليبقى الاسم الحزب الوطني الحر، كما أنّ الحزب سيضّم وجوهاً وطنيّة جديدة في صفوفه، فنحن نؤمن بضرورة العمل المستمر على تجديد الدماء داخل حزبنا بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة على المديين المتوسط والبعيد.

إضاءة

ولد محسن حسن في 1970 وهو أستاذ جامعي ورئيس مجلس إدارة مجمع شركات وخبير مستشار لدى منظمات دولية.

وشغل خطّة رئيس جمعية خريجي معهد تمويل التنمية للمغرب العربي من 1996 إلى 2006، كما تولى منصب محلل مالي ببنك «باريبا» ورئيس مدير عام بمؤسسة «مغرب فود». وشغل محسن أمين عام لحزب الاتحاد الوطني الحر منذ تأسيسه في العام 2011، وتم انتخابه نائباً بالبرلمان في اكتوبر 2014، واختير بعد ذلك رئيساً لكتلة الحزب النيابية.