أكد وزير الخارجية التونسي منجي الحامدي، أن الخطر الإرهابي القادم من ليبيا يثير قلق تونس ودول الجوار، وكلما تأخر الحل، اتسعت دائرة الإرهاب في بلده، مشيداً بالتعاون التونسي الجزائري، وقال إنه في أرقى مستوياته، وأكد وجود تنسيق أمني ومخابراتي مع مصر، وأعرب عن احترام تونس للخيارات الداخلية للدول، مشيراً في حوار خص به «البيان»، إلى أن الحكومة المستقلة تجاوزت سياسة المحاور التي كانت سائدة قبلها في البلاد.
وأضاف الحامدي قائلاً: إن هناك نحو مليون و800 ألف ليبي يقيمون في تونس، وهو ما يرهق الاقتصاد التونسي الذي يعتمد على الدعم، مشيراً إلى أن بلاده ستطلب خلال الأيام المقبلة من المسؤولين الليبيين تحمّل القليل من العبء عبر بيع النفط إلى تونس بأسعار تفاضلية وليس بأسعار السوق كما يحدث حالياً.
وفي ما يلي نص الحوار:
تسعى تونس بعد الثورة إلى إعادة التوازن في علاقاتها الخارجية، هل حققت ذلك أم أن الطريق ما يزال طويلاً؟
أهم مكسب حققناه خلال هذه الفترة، هو أن لنا «صفر» مشاكل مع كل بلدان العالم، فعلاقاتنا متميزة مع كل الدول الشقيقة والصديقة في ظل الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، منذ أسبوعين زرت مصر وتركيا، ثم عدت إلى تونس ومنها توجهت إلى الجزائر والمغرب، ثم قمت بزيارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر، وتعاوننا مع دول كالجزائر والمغرب والإمارات هو تعاون استراتيجي وعلى أعلى مستويات الأهمية.
العلاقات مع مصر مرت بظروف حرجة، فكيف نجحتم في إعادتها إلى مسارها الطبيعي؟
بغض النظر عن الخيارات السياسية الداخلية لكل بلد، نحن نؤمن بأن مصر دولة محورية ولها دور بالغ الأهمية إقليمياً ودولياً، وتونس ومصر لهما نفس التحديات التي تواجههما، والتي تتسم بالتوتر المستمر والأزمات العميقة، ولنا نفس التحديات الأمنية وحتى الاقتصادية، لذلك عملنا على أن تكون علاقاتنا طيبة واستراتيجية مع مصر. وكنت زرت مصر في مناسبات عدة وعملت الحكومة الحالية على تطوير العلاقات مع نظيرتها المصرية، حيث توجد علاقات تعاون وتنسيق أمني ومخابراتي مع مصر، وخصوصاً في إطار التعاون لمواجهة الخطر الإرهابي الذي يحدق بالمنطقة.
محاور وخطر
هل يعني هذا أن تونس خرجت من سياسة المحاور التي كانت عرفتها قبل الحكومة المستقلة؟
فعلاً تونس تجاوزت سياسة المحاور، فبعد أدائي القسم بـ15 دقيقة قلت: إن تونس دولة صغيرة ومنفتحة على العالم، ويجب أن تكون علاقاتنا متميزة مع كل دول العالم دون أي تدخل في الشؤون الداخلية للآخرين. ووفقنا الله في تحسين علاقاتنا مع جميع الدول وليست لنا أي مشكلة مع أية دولة، قمنا بتصفية الأجواء مع الجميع، وكذلك قدّمنا الدبلوماسية الاقتصادية والأمنية وبحثنا عن أسواق جديدة وواعدة.
قبل سنوات أدرنا ظهورنا لمناطق مهمة، وركرنا على التعاون مع أوروبا التي تحتل 80 من مبادلاتنا التجارية الخارجية. وعندما جئنا إلى الحكم قلنا علينا أن نحافظ على علاقاتنا التقليدية مع أوروبا، وأن نبحث عن أسواق جديدة مع دول الخليج وإفريقيا وروسيا والصين، وقد نجحنا في تسويق صورة تونس الجديدة، واليوم هناك عدد كبير من المستثمرين الخليجيين ينتظرون دخول البلاد مرحلة الاستقرار السياسي حتى يبدؤوا مرحلة الاستثمار في تونس.
كيف تتعاملون مع الخطر القادم من ليبيا؟
بالطبع، نحن منزعجون من تكرار اختطاف التونسيين واستهدافهم، ومنهم الصحافيان سفيان الشوريان ونذير القطاري، وكذلك عون من أعوان سفارتنا في طرابلس، وحتى اللحظة لا نعرف الأطراف التي نفذت عمليات الاختطاف ولا أهدافهم من ذلك، وهذا من شأنه أن يبعث نوعاً من الانزعاج والامتعاض لدى الرأي العام الوطني التونسي.
كما أن الإرهاب القادم من ليبيا بات يؤرّقنا ويؤرق جميع دول الجوار والمنطقة ككل، لذلك نعمل على حض الفرقاء الليبيين على تجاوز خلافاتهم السياسية والبحث عن حل يرضي جميع الأطراف ويحقق المصالحة الوطنية، ويبني الدولة المدنية الديمقراطية التعددية القادرة على استيعاب جميع الأطراف التي تؤمن بتلك القيم.
وماذا عن التطرف الديني الذي بات يعصف بليبيا ويهدد تونس؟
كلما مر يوم جديد تزداد الأمور تعقيداً في ليبيا، والأشقاء الليبيون يدركون هذا جيداً، هم ليسوا جميعاً متطرفين، ومن المصلحة الوطنية الليبية أن يتم حل القضايا العالقة بسرعة لقطع الطريق أمام اتساع الحضور الإرهابي، وأعتقد أن من واجب كل الدول التي لها تأثير في الوضع الليبي أن تضغط على الأطراف الليبية وتدفع بها إلى طاولة حوار، قد تقول لي إن الأمر ليس بسيطاً، نعم الأمر ليس بسيطاً ولكن ما البديل؟ البديل لن يكون غير حرب أهلية شاملة تأكل الأخضر واليابس.
جوار وجالية
هل هناك توافق حقيقي بين دول الجوار لإيجاد حل للأزمة الليبية؟
على عكس ما يقال في وسائل الإعلام، أستطيع التأكيد على أنه لا توجد خلافات عميقة بين دول الجوار الليبي، لا أعتقد أن دولاً كمصر أو الجزائر أو تونس أو النيجر أو تشاد لا يهمها الاستقرار في ليبيا، لكن هناك اختلاف في وجهات النظر والرؤى حول كيف يكون ذلك الاستقرار، والاجتماعات التي نعقدها تدخل في هذا الإطار وهو كيف نوحّد مواقفنا من ليبيا وتشجيع الليبيين على الحوار الوطني والحل السلمي والمصالحة الوطنية، قد تختلف الرؤى ولكن الهدف واحد.
وماذا عن الجالية في تونس وكيف تتعاملون معها؟
الجالية الليبية في تونس كبيرة فعلاً، وقد سألني أحد الصحافيين: كيف تتعاملون مع اللاجئين الليبيين؟ فقلت له: ليسوا لاجئين وإنما هم ضيوف كرام على تونس. وبحسب أرقام وزارة الداخلية هناك مليون و800 ألف ليبي في تونس بين مستقرين وزائرين، ويومياً يدخل إلى التراب التونسي ما بين خمسة وسبعة آلاف زائر ليبي، أي نحو 180 ألفاً شهرياً، والقليل فقط منهم يغادر، وهم ما يمثّلون عبئاً على الاقتصاد التونسي الذي يتميز بأنه اقتصاد مدعم من ميزانية الدولة.
ورغم ترحيبنا بالإخوة الليبيين، إلا أن وجودهم بهذه الكثافة تسبب في تداعيات اقتصادية صعبة، وسنجلس مع مسؤولين ليبيين لنطلب منهم الاتفاق حول بيعنا النفط الليبي بأسعار تفضيلية وليس بتسعيرة السوق التي يتم التعامل بها معنا من قبل الحكومة الليبية، فمن الضروري أن نصل إلى اتفاق في هذا الإطار كالاتفاق الحاصل بين ليبيا ومالطا وبين العراق والأردن، ونحن كما نساعد الإخوة في ليبيا ننتظر منهم مساعدتنا في صفقات النفط على الأقل.
الجزائر والمغرب
وماذا عن العلاقات مع الجزائر والمغرب؟
هي جيدة جداً وفي أعلى مستوياتها منذ الاستقلال، نتعامل يومياً على الحدود في محاربة الإرهاب وتبادل المعلومات، ونحن على يقين من أن أمن تونس من أمن الجزائر وأمن الجزائر من أمن تونس، كما قال الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، كما أن علاقاتنا مع المغرب على أعلى مستوى كذلك، ولنا تعاون في المجال الأمني وكذلك في جميع المجالات الأخرى.
ترحيب
رحب وزير الخارجية التونسي منجي الحامدي بانفراج الأزمة بين الأشقاء الخليجيين. وقال: «كان اعتقادنا راسخاً بأنها كانت سحابة صيف وستزول، ونحن نعرف أن الإخوة الخليجيين معروفون بالحكمة، وكنا على يقين من أن المياه ستعود إلى مجاريها، وقد عادت بالفعل، وهو ما سيتجسّد أكثر في قمة الدوحة لدول مجلس التعاون الخليجي».
ما حققته الإمارات هو الربيع الحقيقي وعلاقاتنا متميزة
أكد وزير الخارجية التونسي أن العلاقات التونسية الإماراتية حاليا «متميزة على جميع الأصعدة، وأستطيع القول إنها علاقات استراتيجية بامتياز، لأن الوطن العربي كله يمرّ اليوم بتحديات كبرى وخاصة في المجال الأمني مما يستوجب من الجميع التشاور والتعاون، ونحن نحاول أن نكون على صلة بجميع الدول العربية لتنسيق المواقف والأهداف ونعرف أن دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة تسعى الى ضمان الاستقرار والأمن في المنطقة من خلال سياسات ومواقف واضحة، ونحن لنا نفس الموقف معها في مجال مقاومة الإرهاب والتطرف والتكفير والجريمة المنظمة وكل ما من شأنه أن يعكّر الأوضاع في منطقتنا».
وأضاف: «الجميع يعرف أنه عندما تم تشكيل حكومة الكفاءات المستقلة كان سفير دولة الإمارات العربية المتحدة غائبا عن تونس، وعندما توليت مسؤوليتي اتصلت بسمو الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي وقام مشكورا بالواجب ولبّى دعوتنا.
وعاد السفير الإماراتي الى تونس وكنت في استقباله بمطار تونس قرطاج الدولي. وكان استقبالي للسفير بمثابة رسالة شكر وتقدير واحترام لدولة الإمارات العربية المتحدة، فالإخوة الإماراتيون أخذوا بخاطرنا وهم مشكورون على ذلك، كما أن دولة الإمارات ساعدت تونس ونتمنى أن يتواصل التعاون بيننا بما يخدم مصالح البلدين الشقيقين، وأن تكون العلاقات على أعلى مستوى».
وبشأن القائمة التي أصدرتها دوله الإمارات العربية المتحدة بخصوص الجماعات الإرهابية، قال: «هذا قرار سيادي إماراتي نحترمه ونتفهمه، ثانيا يدخل هذا القرار في إطار مكافحة الإرهاب الذي هو قاسم مشترك بين جميع دول المنطقة والعالم. وأطلعت على أسماء بعض المنظمات المدرجة في القائمة والتي نعتبرها نحن كذلك منظمات إرهابية.
فالإرهاب باتت له مؤسسات متشعبة وتتعامل مع بعضها، لذلك أعتقد أن محاربة الخطر الإرهابي لابد أن يكون قاسما مشتركا بين جميع الدول المحبة للسلام والمدافعة عن قيم المحبة والتسامح والاعتدال».
وامتدح وزير الخارجية التونسي الدولة بمناسبة الذكرى 43 لعيد الاتحاد، قائلا: «أذكر أنني زرت دولة الإمارات العربية المتحدة أول مرّة في 1985 ثم العام 1989 ثم كنت أزورها بمعدل مرة في كل عام ثلاثة أعوام. وما لاحظته أن هذا البلد الشقيق حقق طفرة تنموية ليس لها نظير.
وفي ظرف 43 عاما انطلقت الى دولة يضرب بها المثل على جميع الأصعدة كالعمران والبنى التحتية والتنمية البشرية والنمو الاقتصادي والاجتماعي والتطوّر الحضاري والثقافي، والدور السياسي المؤثّر».
وأردف: «أنا أعتقد أن ما حققته دولة الإمارات العربية المتحدة هو الربيع الحقيقي والثورة الحقيقية ثورة البناء ثورة التنمية، ثورة الازدهار».

