بعد عام على نجاح أجهزة الأمن المصرية في فض اعتصامات جماعة وأنصار الإخوان المسلمين في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، تسعى الدولة المصرية إلى فتح صفحات جديدة نحو مستقبل مشرق.
هذا المسعى لابد وأن تتصدره تساؤلات مهمة حول مستقبل جماعة الإخوان ومكانتها على الساحة السياسية.
وقد حاولنا الحصول على إجابات لهذه الأسئلة المشروعة من خلال عدد من المفكرين والسياسيين والخبراء الذين كشفوا أيضا عن مزيد من المعلومات والحقائق عن تلك الحقبة التي مثلت بالفعل تحديا خطيرا للدولة المصرية.
وفي الحلقة الأولى، يتحدث رئيس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية وأحد رواد منظمات المجتمع المدني في مصر سعد الدين إبراهيم في هذا الحوار ليرد على الأسئلة الكثيرة التي تخص الوضع في مصر، مشيراً إلى أن المصريين لن يقبلوا عودة الجماعة الإرهابية إلى سدة الحكم، ومبدياً تفاؤله بحكم الرئيس عبدالفتاح السيسي. وإلى نص المقابلة:
بداية د. سعد الدين إبراهيم، كيف ترى المشهد السياسي المصري في الوقت الراهن؟
المشهد خطير وخاصة في ظل الصراع القائم حاليا بين الدولة وجماعة الإخوان والذي بدأ بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013، ولذلك أرى أنه يجب إنهاء هذا الصراع من خلال حوار وطني جاد يؤول في النهاية إلى مصالحة وطنية شاملة تجنب مصر ما لا يحمد عقباه.
أنت ترى أن المصالحة هي الحل الوحيد، فما رؤيتك لتلك المصالحة بين الدولة والإخوان؟
نعم أرى أن المصالحة هي الحل. ولذلك فقد دعوت للمصالحة الوطنية تجنيبا لمصر خطر العنف الذي سيصبح واقعا في حال استمرار الوضع القائم حاليا.
ولكن هناك الكثير من أبناء الشعب المصري يرفضون فكرة المصالحة؟
لدينا أكثر من 700 ألف إخواني فماذا نفعل بهم؟ وبسبب تلك الأعداد، قررت الدعوة إلى المصالحة الوطنية الشاملة وهاجمني الإعلام والقوى السياسية بضراوة.
من وجهة نظرك ما المفروض على جماعة الإخوان فعله من أجل إتمام المصالحة الوطنية؟
يجب أولا على جماعة الإخوان المسلمين أن تعتذر ببساطة للشعب المصري عن أخطائها في الحكم وأن تعترف بثورة 30 يونيو المجيدة وخريطة الطريق التي أقرها الجيش المصري وانتهت بانتخابات الرئيس الجديد وهو الرئيس عبد الفتاح السيسي ومن قبله إنجاز مشروع تعديل الدستور. كما أطالب الجماعة بفتح أبوابها للمراقبة الشعبية والتواجد بصورة قانونية داخل المجتمع المصري إن أرادوا الاستمرار.
ملف واشنطن
ما هي حقيقة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي قيل إنه مشروع تعاوني بين واشنطن والإخوان لتفتيت الشرق الأوسط؟
أي مشكلة تواجه المصريين يقولون إن أميركا هي السبب.
تدافع عن واشنطن باستماتة، فما سر تلك الثقة فى الدفاع عنها؟
لو أملك دليلا واحدا على واشنطن يؤكد تلاعبها بمصر والوطن العربي لهاجمتها أشرس هجوم، ولذلك أتهم دائما بأنني وكيل أميركا في الشرق الأوسط.
حتى نغلق الحديث عن الإخوان وتيار الإسلام السياسي، هل توافق على عودة الإسلاميين إلى سدة الحكم مرة أخرى؟
انا لن انتخبهم مرة أخرى على المستوى الشخصي، ولكن وصول أي فريق أو تيار سياسي للسلطة حق شرعي مادام يتم هذا بطريقة ديمقراطية سليمة تتمثل في صندوق الانتخابات. وبعيدا عن كل هذا فأنا أستبعد وصول الإخوان بشكل خاص وتيار الإسلام السياسي بوجه عام إلى سدة الحكم مرة أخرى طوال وجود الجيل الحالي الذي شهد على عام حكم مرسي.
أي أن أول فرصة ستكون سانحة للإخوان أو تيار الإسلام السياسي للعودة إلى سدة الحكم بعد 25 عاما على الأقل من الآن، أي بعد ذهاب الجيل الذي شهد حكم مرسي.
مصطلح الفلول
الإخوان فصيل عزله الشعب في 30 يونيو والحزب الوطني عزله شعب مصر في 25 يناير وتم تبرئة معظمهم فهل توافق على عودة رجال الحزب الوطني إلى المشهد السياسي المصري؟
بالطبع أدعم عودتهم إلى المشهد السياسي المصري كما أرفض إقصاء الإخوان.
ومن هذا المنبر أدعو رجال الحزب الوطني الشرفاء فقط للعودة إلى دنيا السياسة مرة أخرى والمشاركة في الانتخابات البرلمانية ما داموا مصريين شرفاء لم يصدر ضدهم حكم قضائي بات ونهائي يمنعهم من ممارسة العمل العام.
كلام رائع، ولكن ثوار يناير يرفض بشدة عودة الفلول، فما الحل؟
لقد عاصرت معظم الرؤساء والحكام. وطوال تلك الفترة الطويلة سمعت كلمة «فلول» حوالي 5 مرات تقريبا.
المرة الأول بعد عزل الملك فاروق بثورة 23 يوليو العام 1952 وتنصيب محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية. وبعد ذلك اعتبر مؤيدو الثورة كل رجال الملك فاروق «فلولا».
والمرة الثانية التي سمعت فيها تلك الكلمة كانت بعد وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر حيث اتهم أنصاره أيضا بـ«الفلول»، ثم المرة الثالثة كانت بعد اغتيال الرئيس الراحل محمد أنور السادات وقيل عن أنصار الانفتاح ومحبي السادات «فلول».
فيما كانت المرة الرابعة بعد ثورة يناير وإسقاط الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك واتهم وقتها رجال الحزب الوطني المنحل وأعضاءه بأنهم «فلول». أما المرة الخامسة والأخيرة كانت عقب عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي بعد ثورة يونيو المجيدة التي أطلق بعدها على أنصار الرئيس المعزول لقب «فلول».
فلو أحصينا كل هؤلاء الفلول من بعد ثورة 52 وحتى بعد ثورة 30 يونيو لوجدنا أن أكثر من 80 في المئة من الشعب المصري «فلول»، فهل سنقبل بإقصاء 80% من شعب مصر؟
مصر والسيسي
ننتقل إلى نقطة جديدة في الحوار. كيف ترى مستقبل مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
متفائل خيرا بالرئيس، وواثق بأنه سوف يمضي على طريق وطني قومي عربي وسيحاول بكل قوة أن يجمع شمل كل الفرقاء المصريين بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين التي سيسمح لها السيسي بالعمل العام مرة أخرى ولكن وفقا لضوابط معينة وبعد اعترافهم بثورة يونيو المجيدة وبخريطة الطريق التي وافق عليها الشعب المصري.
«الجماعة» تضع سيناريوهات مستقبلية
انتهى تنظيم الإخوان المسلمين من وضع خطط فعاليات الذكرى السنوية الأولى لفض اعتصامي الجماعة في ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر، كما استبق نتائج فعالياته التي دعا إليها بوضع سيناريوهات مستقبلية لما بعد ذكرى الفض تتضمن مُخططاً بتحركات عناصر التنظيم في المرحلة التي تلي تلك الفعاليات حال فشلها، فضلاً عن خُطوات ميدانية أخرى حال تَمكنهم من الحشد، والتأثير على وضع السلطات الحالية وتنفيذ مخططاتهم، على الرغم من استبعاد مراقبين ومحللين لإمكانية نجاحهم.
وبحسب مصدر مطلع، فإن التنظيم الدولي «وضع تصوراً لخارطة فعاليات الجماعة داخل مصر خلال ذكرى الفض الأولى، تهدف إلى محاولة إسقاط السلطات المصرية الحالية، عبر افتعال أعمال العنف والشغب، وتعطيل الحياة في القاهرة، لشل حركة الدولة؛ من خلال اقتحام الميادين والاعتصام فيها، كما وضعت الجماعة تصوراً كذلك لما بعد تلك الفعاليات، سواء نجحوا في تنفيذها أو فشلوا في ذلك».
أما على صعيد السيناريوهات التي وضعها «الإخوان» حال نجاحهم في مخططهم خلال ذكرى الفض، فتكمن في «التخطيط لاقتحام ومحاصرة عدد من المؤسسات الرسمية في الدولة، خلال اليوم التالي لفعاليات ذكرى الفض، وفي مقدمتها المؤسسات الأمنية، فضلاً عن محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي، بالإضافة إلى التخطيط لاقتحام أقسام الشرطة والاستيلاء على الأسلحة لفرض سطوة عناصر الجماعة على الشارع».
شغب
ومن جانبه، يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد أنه «من المحتمل وقوع الكثير من حالات الشغب وأحداث العنف أثناء الذكرى السنوية الأولى للفض، ولكنها لن تكون مؤثرة، خاصة أن جماعة الإخوان لم تعد كالسابق قادرة على الحشد، حيث أصبحت جماعة متهالكة ومنهكة».
ولفت في تصريحات خاصة لـ«البيان» إلى أن «قرار حل حزب الحرية والعدالة الذي صدر منذ بضعة أيام ومصادرة أموال الجماعة وحبس قيادات وأعضاء الكثير من الجماعة ينفي أية قدرة على التحرك أو تنفيذ المخططات المرجو تنفيذها مستقبلاً، من محاصرة المناطق الحيوية أو شل الحركة في العاصمة».
كما لفت إلى «الأزمة الناشبة بين شباب الجماعة وقياداتها»، مشيراً إلى أن «هذا التوتر يزيد من انهيار الجماعة، وهو ما ينفي أية قدرة على تحقيق هذه المخططات».
وستحاول الجماعة الاستمرار في اللعب على ملف «التهدئة» بينما تدعم عناصر إرهابية وجماعات لخوض حرب بالوكالة ضد السلطات المصرية من خلال القيام بأعمال إرهابية في سيناء على سبيل المثال، وهو سيناريو ينهار مع مرور الوقت بحسب ما أكده مراقبون، لاسيما أن مصر توشك على إجراء الانتخابات البرلمانية (ثالث وآخر استحقاقات خارطة الطريق) بما يعني استكمال مؤسسات الدولة الرسمية، الذي يقزم كل فرصة أمام «الإخوان» للعودة مجدداً أو الظهور على الساحة السياسية.
رد
مصر تصف تقرير «هيومن ووتش» بشأن فض الاعتصامين بـ «السلبي» و«المتحيز»
انتقدت الحكومة المصرية أمس التقرير الصادر من منظمة «هيومن رايتس ووتش» بشأن فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس العام الماضي، ووصفته بـ «السلبي» و«المتحيز».
وأفاد بيان الهيئة العامة للاستعلامات المصرية على موقعها الإلكتروني، أن «الحكومة المصرية اطلعت على التقرير الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، والذي اتسم بالسلبية والتحيز في تناوله لأحداث العنف التي شهدتها مصر خلال عام 2013، وتجاهله للعمليات الإرهابية التي ارتكبها تنظيم الإخوان الإرهابي وأنصاره».
وأضاف البيان أن الحكومة المصرية «لم تفاجأ بالتقرير في ضوء التوجهات المعروفة للمنظمة والنهج الذى دأبت على اتباعه». وأفادت الحكومة أنها «ترفض التقرير وتنتقد عدم حياديته، حيث أبرز تواصل واستمرار التوجهات غير الموضوعية للمنظمة ضد مصر».
وأوضح البيان أن «الحكومة تعتبر ما أورده التقرير من توصيفات وسرد للوقائع التي حدثت خلال شهري يوليو وأغسطس 2013، يعكس بوضوح ليس فقط عدم مهنية كوادر المنظمة بالاعتماد على شهود مجهولين ومصادر غير محايدة وغير موثوق بها، بل تؤكد على انفصال واضعي التقرير تماماً عن واقع المجتمع المصري وتوجهاته الفكرية والسياسية خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أخذاً في الاعتبار عدم تمتع المنظمة بوضعية قانونية للعمل في مصر».
وتابع أن «إجراء المنظمة لتحقيقات وجمع أدلة وإجراء مقابلات مع شهود على أحداث العنف دون أي سند قانوني يعد انتهاكاً سافراً لمبدأ القانون الدولي المستقر بسيادة الدولة فوق أراضيها، خاصة بعد قرار المنظمة سحب طلبها إصدار التصريح اللازم لها للعمل في مصر كمنظمة أجنبية غير حكومية، وفقاً لأحكام قانون 84 لسنة 2002 ولائحته التنفيذية».
وأوضح أن الحكومة المصرية «تأسف لتغاضي التقرير عمداً عن الإشارة إلى وقوع المئات من شهداء الشرطة والقوات المسلحة والمدنيين جراء أحداث العنف والإرهاب التي لا تزال مستمرة إلى الآن عن طريق هجمات وتفجيرات منسقة ومنظمة على يد من وصفهم التقرير بـ (المتظاهرين السلميين)».
وأشار البيان إلى أن «التقرير أغفل أن أول من سقط خلال فض الاعتصام هو شهيد من الشرطة أُصيب بطلق من سلاح ناري، حيث كان مكلفاً بتوجيه المعتصمين عبر مكبر صوت للخروج الآمن من منطقة الاعتصام، ما يجعل التقرير يفتقد إلى الموضوعية والمصداقية في سرد الأحداث، ومنحازاً لمزاعم ما يُسمى بتحالف دعم الشرعية، وهو الواجهة الأخرى لتنظيم الإخوان الإرهابي».
وذكرت الحكومة المصرية أنها قد شكلت لجنة وطنية مستقلة برئاسة فؤاد عبد المنعم رياض، القاضي الدولي المعروف، لتجميع وتوثيق أحداث العنف ليس فقط خلال عملية فض اعتصام رابعة والنهضة، وإنما أيضاً في أحداث العنف التي وقعت منذ 30 يونيو 2014، وتهدف اللجنة إلى تجميع الأدلة لتحديد الانتهاكات لمحاسبة مرتكبيها.
ونوه البيان بأن «التقرير تجاهل في الوقت ذاته الحقائق الواردة في تقارير أخرى لمنظمات المجتمع المدني المصرية، بما في ذلك التقرير الصادر عن مركز ابن خلدون، وكذا تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها المجلس القومي لحقوق الإنسان، والتي تناولت الإجراءات التي اتُخذت من جانب السلطات المصرية بشكل موضوعي». القاهرة- د.ب.أ
ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة


