في حوارٍ هو الأول مع وسيلة إعلامية باللغة العربية منذ توليه سدة الحكم في 2010، اعتبر رئيس أوروغواي خوسيه موخيكا في مقابلةٍ خص بها «البيان» أن الحركات التي أدت إلى إسقاط الأنظمة في بلدان الربيع العربي أثبتت عجزها التام عن تقديم البدائل وتحقيق القدرة على الحكم، مشيراً إلى أن المنظمات المؤسساتية وذات

البنى السياسية والعقائدية وحدها تمنح الأدوات التي تنجز التغيير. وأكد «الرئيس الأفقر» في العالم، كما يلقب لنمط حياته المتقشف، أنه عاش في نفس المنزل لأكثر من 30 عاماً ويستهلك فقط ما يحتاجه، مقراً في الوقت ذاته ارتكابه أخطاء عديدةً خلال مسيرته السياسية، ومشدداً على وجوب إيجاد طرق للنضال تتجنب الحرب، كما انتقد الولايات المتحدة بشكلٍ ضمني، مشبهاً موقف أميركا الجنوبية نحوها بأنه يماثل ذلك الذي كان القرطاجيون ينظرون إلى الامبراطورية الرومانية من خلاله. وإلى نص الحوار:

ما هي الأسباب، باعتقادكم، خلف الفوضى التي تجتاح بلدان الربيع العربي؟

من الصعب جداً أن أعطي رأياً من بعيد حول حقيقة معقدة جداً من الصعب بمكانٍ بالنسبة إلينا أن نفهمها، لأننا نراها من وجهة نظر مختلفة وتاريخ وإرث مختلفين. ولكن، هناك شيء من السهل رؤيته في كل بلدان ما بات يدعى بالربيع العربي، وهو أن الإطاحة بنظام سياسي والهيكل المؤسساتي أمر، وبناء بديل عنه أمر آخر. إن الحركات التي أدت إلى إسقاط الأنظمة التي حكمت تلك البلدان كانت فعالة جداً من حيث النضال وتدمير الأنظمة السياسية. لكن في نفس الوقت، أثبتت عجزها التام عن تقديم البدائل وتحقيق القدرة على الحكم في تلك الدول بعد سقوط الأنظمة القديمة. ومن الجدير ذكره في هذا الخصوص مسألة وسائل التواصل الاجتماعي، لأن كل تلك الاعتبارات تنطبق عليها.

إلى حد الآن، كانت وسائل التواصل الاجتماعي فعالةً جداً في الانتقادات والتعبئة، لكنها فشلت في بناء أي شيء. لربما ترتبط تفسيراتي بعمري وتجربتي الشخصية، لكنني مقتنع بأن المنظمات المؤسساتية والمنظمات ذات البنى السياسية والعقائدية وحدها باستطاعتها أن تمنح الأفراد وشعوب أي بلد الأدوات التي يمكن من خلالها إنجاز التغيير الذي يحتاجون إليه. إن تشكيل مثل تلك التنظيمات يحتاج إلى وقتٍ أكبر ومعقد بشكلٍ أكبر ويتطلب عملاً دؤوباً وصبراً، لكن ليس هناك طريق مختصر على درب التغيير الاجتماعي.

الدور الأميركي

يعزو المحللون عادةً انكفاء الدور الأميركي على الساحة الدولية إلى ملفي العراق وأفغانستان والأزمة المالية. عدا عن ذلك، ما هي الأسباب برأيكم التي سببت هذا الانحدار غير المسبوق في الدور الأميركي لقيادة العالم؟

في التسعينات، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، ساد اعتقاد ثابت على عدة صعد بأن قوة الولايات المتحدة ستكون مطلقة ودائمة. وأتوا لنا بفكرة نهاية التاريخ ونهاية الإيديولوجيات.

ولكن على الرغم من تلك التوقعات، مضى العالم قدماً واستمر التاريخ في دورته. والدول التي اعتبرها البعض هزمت بشكل دائم بدأت النهوض مجدداً. انظر على سبيل المثال إلى دور روسيا المتعاظم في السياسة الدولية.

وهناك دول أخرى برزت بعد عملية طويلة من النمو والتحديث مثل الصين، بشكلٍ أساسي، والهند أيضاً، ودول كبيرة كذلك كالبرازيل وجنوب إفريقيا وإندونيسيا والمكسيك. لم يعد العالم يقاد من مجموعة السبعة الكبار بل من مجموعة العشرين، حيث تحتل كل تلك القوى الصاعدة مكاناً فيها.

ومع أني قلت هذا، لا أعتقد أنه بإمكاننا الحديث عن انحدار في قوة الولايات المتحدة، لأنها لا تزال إلى حدٍ بعيد الدولة الأقوى في العالم وتلعب دوراً حاسماً في السيناريوهات الدولية. ما تغير، هو أنها لم تعد وحدها. وأعتقد أنه علينا في نهاية المطاف الإقرار بالواقع الجديد وأن نعتاد على التعايش مع تلك الحقيقة.

روسيا والصين

هل تتفقون مع الأصوات التي تقول إن روسيا والصين، مع كل قوتهما، غير جديرتين بقيادة العالم، على اعتبار أنهما تمثلان إيديولوجية غير ديمقراطية لا تحترم حرية الأفراد؟

إن وضعنا الاعتبارات الشخصية جانباً، وسواء شئنا أو أبينا، ليس هناك بلد ما يحتل مركزاً في السياسة الدولية بفضل مؤهلاته الأخلاقية، بل ينالها بسبب سطوته السياسية وتأثيراته العسكرية والاقتصادية. وهذا ما هو عليه الأمر اليوم، وهذا ما كان على الدوام.

ما الذي كان سيقوله القرطاجيون لو أننا سألناهم حينها فيما إذا كانوا يعتقدون أن الامبراطورية الرومانية مؤهلة أخلاقياً لقيادة العالم خلال ذلك الزمان؟ وما هو شكل جواب الشعب الصيني في القرن التاسع عشر لو سألناه فيما إذا يؤمن بأن الامبراطورية البريطانية مؤهلة أخلاقياً؟ سيقول الجميع: كلا بالتأكيد. وبإمكاننا أن نسأل شعوب أميركا الجنوبية نفس السؤال فيما يتعلق بالولايات المتحدة. أعتقد أن مفتاح أي تعايش ناجح بين القوى المختلفة التي تلعب دوراً قيادياً في العالم اليوم هو أن تقر وتحترم الاختلاف.

في عالمنا، ليست هناك طريقة وحيدة أو فريدة لفهم المؤسسات السياسية أو العلاقات بين الأفراد أو دور الدولة والدين.

وعلى الغرب أن يعترف بتنوع علاقته مع الإسلام والدول الإفريقية، كما على الآخرين أن يقروا بذلك أيضاً، لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكن عبرها للقوى الكبرى أن تتعايش بسلام وتمضي قدماً نحو إدارة حكم العالم. وإن افترضت القوى الكبرى، أو إحداها، أن لديها الحق لأن تقول للآخرين كيف يختارون من يحكمهم وكيف عليهم التصرف في بلدانهم، فإن ذلك سيضعنا في مسار خطير جداً يمكن أن يكون من غير رجعة.

مجموعة «بريكس»

لكن القوى الصاعدة التي تحدثتم عنها، مثل بلدان مجموعة «بريكس»، تواجه اليوم أزمات مالية شديدة. ألا يعني هذا، من الناحية العلمية، أن هذه البلدان لا تملك شروط النهوض كقوى كبرى؟

تساهم بلدان «بريكس» في أكثر من 25 في المئة من الناتج العالمي ويعيش فيها 43 في المئة من سكان الكوكب وتحرك 20 في المئة من الاستثمارات العالمية. ومن المتوقع أنه بحلول 2050، ستدر البرازيل وروسيا والهند والصين نحو 44 في المئة من الناتج العالمي. وعلى الرغم من بطء النمو في الأعوام الماضية، فإنها لا تزال الدول الأكثر نمواً في العالم. وبعيداً عن الاعتقاد أنها غير قادرة على أن تصبح قوى كبرى، أنا مقتنع بأنه مقدر لها تتبوأ مكانةً متزايدة الأهمية من الناحيتين السياسية والاقتصادية.

الرئيس الأفقر

توصفون بأنكم «الرئيس الأفقر» في العالم. ما الذي دفعكم إلى اتخاذ هذا النمط من الحياة على عكس بقية الزعماء؟

لقد عشت في نفس المنزل لأكثر من 30 عاماً بتواضع استهلك فقط ما أحتاجه لكي استمر على قيد الحياة. وأحاول كذلك طيلة حياتي أن أسافر باصطحاب أمتعة خفيفة. هكذا اخترت أن أعيش حياتي، وهذه فلسفتي التي لا أحاول فرضها على أحد. أشعر بالسعادة حينما يكون بإمكاني أن أفعل الأشياء التي أحبها أكثر.. تلك التي تحفزني.

إن كرّست الكثير جداً من وقتي لكي أكسب الأموال الكافية التي ستشتري لي أشياء عديدة جداً، فإن علي في هذه الحالة أن أقضي وقتاً أكثر للاعتناء بتلك الممتلكات، وستقل حريتي في أن أفعل ما أحب. بالإضافة إلى ذلك، ما هي جدوى القلق من كسب الأموال وأنا في سن 79؟

وعلى كل حال، عشت بتلك الطريقة على الدوام ولم اختر أن أفعل ذلك بسبب مركزي كرئيس. وبعد أن انتُخبت، استمررت في العيش كما كنت قبل أن أصبح رئيساً. أنا لا أطلب من بقية الرؤساء أن يكونوا مثلي. وحينما يزورون الأوروغواي، استقبلهم في القصر الرئاسي المريح المخصص للرؤساء وأرحب بهم بما يتطابق مع البروتوكول والاحترام الذي اعتادوا عليه. وحينما أزورهم بدوري، أجلس على موائدهم وأذهب إلى منازلهم بنفس الاحترام حتى لو كانت مختلفة عن بيتي.

أقدرهم جميعاً. ولكن الشيء الوحيد الذي أريده هو ألا يطلب مني أحد أن أكv ف عن العيش بالطريقة التي اخترتها.

أخطاء ودروس

لو عدنا إلى الحياة المليئة بالصعوبات والتمرد التي عشتها خلال العقود الماضية، أين ترى أنك ارتكبت أخطاءً؟

أن تعيش، يعني أن تفعل أشياء صحيحةً وترتكب أخطاء. هذه هي الحال على الدوام. وإن اخترت أن تعيش حياتك بشكلٍ حاد وتدافع عن معتقداتك، كما فعلت أنا، فإنك سترتكب أخطاء عديدة من دون أدنى شك. لكنني لا أندم على شيء قمت به في حياتي. وأكثر من ذلك، إن كان هناك ثمة شيء يمكن أن أندم عليه فهو تمضية أي جزء من حياتي من دون أن أعيشه حتى أقصاه. لكن أن تعيش وترتكب أخطاءً، فذلك أمر يعلمك شيئاً باستمرار.

وأكبر درس أود أن أنقله، خاصةً لجيل الشباب، بأن ما يهم حقاً، إن فشلت في شيء ما، أن تجمع قواك وتبدأ من جديد. وهناك درس آخر يمكن لي أن استنتجه من حياتي الشخصية وهو أنه إن آمنا في الماضي بأن هناك حروباً عادلة، مثل حروب التحرير الوطني والاستقلال، فقد أظهر لنا التطور التكنولوجي خلال العقود الثلاثة الماضية أنه مهما كانت القضية عادلة فإن أولئك الأكثر تأثراً في أي حرب سيصبحون دائماً وحتماً الأضعف والأفقر. وعليه، يجب علينا أن نسعى إلى البحث عن بديل وإيجاد طرق ومسارات للنضال تتجنب الحرب.

لمحة

يتلقى رئيس أوروغواي خوسيه موخيكا راتباً شهرياً قدره 12 ألفاً و500 دولار، ولكنه يحتفظ لنفسه بنسبة 10 في المئة فقط من راتبه، ويتبرع بالباقي إلى الجمعيات الخيرية في بلاده. ويعيش موخيكا منذ توليه الرئاسة في شهر مارس 2010 في بيت ريفي بمزرعته، ويرفض العيش في القصر الرئاسي، كما أنه لا ينتفع بالحراسة المشددة كبقية رؤساء العالم.

وكان عرض في شتاء العام الماضي على الهيئات الاجتماعية في حكومته استعمال بعض أجنحة القصر الرئاسي في العاصمة مونتفيديو لتوفير المأوى للمشردين في حالة عدم كفاية المراكز الموجودة فيها.

وموخيكا من مواليد 20 مايو 1935 وتولى سدة الحكم في مارس 2010 عن عمر يناهز 75 عاماً، وسبق أن تولى حقيبة الزراعة بين عامي 2005 و2008. كما كان مقاتلاً سابقاً في منظمة «توباماروس» الثورية اليسارية. ويقول دوماً أن أغلى شيء يملكه هو سيارته الـ«فولغز فاغن بيتل» ذات الطراز القديم التي لا تتعدى قيمتها ألفي دولار. البيان

موخيكا.. رجل الأيديولوجيا والبراغماتية

لا يملك المرء إلا أن يحترم رئيس أوروغواي خوسيه موخيكا مهما اختلف مع خطه السياسي والأيديولوجي، لا لإصراره على اتباع نمط حياة متقشف فحسب، بل لرفضه تبني اليسار الشعبوي الممزوج بالتهريج السياسي على غرار ما كان يفعل رئيس فنزويلا الراحل هوغو شافيز.

وموخيكا، الرافض لاستثمار وسائل الإعلام الحكومية في تلقين شعبه مبادئه الشخصية مثل دأب شافيز وقبله فيدل كاسترو، دائم الانتقاد لما قد تصل إليه الرأسمالية أحياناً من توحش وما يرافق ذلك من نزعة استهلاكية منفلتة من عقالها باتت تعم أرجاء العالم. وعلى عكس ما حصل في عاصمة فنزويلا أيضاً، لم تتحول عاصمة الأوروغواي مونتفيديو إلى «فافيلا» كبيرة، أي أحياء عشوائية مترامية الأطراف، ولم يرتفع معدل الفقراء وتزيد نسب الهجرة ويستشري الفساد، كما هي الحال في كاراكاس خلال عهد الدولة «البوليفارية» الفنزويلية.

يمثل موخيكا خطاً فكرياً فريداً من نوعه يجمع ما بين اليسار المتمسك بعناوينه الأيديولوجية العريضة والواقعية السياسية التي تتعامل مع مجريات الأمور ببراغماتية تترجم على الأرض من خلال علاقات أوروغواي الهادئة والدافئة بالغرب من جهة واليسار في أميركا الجنوبية من جهة أخرى.

فالرجل لا يتردد في تشبيه الولايات المتحدة بالإمبراطورية الرومانية كونه توصيفاً سياسياً بحتاً، لكنه لا يأتي على ذكر «الشياطين»، و«رائحة الكبريت»، ويصلّب بيديه حينما يقف على منبر الأمم المتحدة. إقرار موخيكا بارتكاب العديد من الأخطاء وإصراره في الوقت نفسه على عدم الندم مما قام به طيلة حياته، يشي بتوليفة تخلط ما بين العناد اليساري الصلب والحيوية اليمينية التي لا تجد حرجاً في التجديد.

وليس هناك ما هو أدل على ذلك من اعترافه ضمناً بعدم صوابية الكفاح المسلح، وهو الذي كان أحد قياديي حركة «توباماروس» التي خاضت حرب العصابات في مدن أوروغواي، قبل أن تختار العمل السياسي بعد عودة الديمقراطية العام 1985.

إن انتقال موخيكا من لغة السلاح إلى صناديق الاقتراع ونفوره من توظيف تاريخه وأيديولوجيته سياسياً، سابقة حميدة في أميركا الجنوبية التي شهدت تمدد الحركات اليسارية المسلحة منذ ستينيات القرن الماضي، قبل أن تنتهي تلك الحركات إما إلى منظمات متحالفة مع كارتيلات المخدرات مثل «فارك» في كولومبيا أو حفنة من قطاع الطرق، كما هي الحال مع «توباك أمارو» في البيرو. والواقع، أن «توباماروس» انهارت في 1972 بالوسائل ذاتها التي ذابت من خلالها نظيراتها في بقية القارة لاحقاً: ضربات الجيش المحكمة، اللجوء إلى تكتيكات إرهابية محضة تستهدف المدنيين، فضلاً عن خطف مسؤولين رفيعي المستوى.

والزائر أميركا الجنوبية هذه الأيام يلمس تململاً شعبياً واضحاً من سياسات عفا عليها الزمن ينتهجها اليسار الحاكم في فنزويلا والبرازيل والأرجنتين من قبيل: منع سحب العملات الأجنبية إلا بتصريح والتضييق على حركة تنقلات الأموال أو حتى تصريفها الذي يحتاج إلى إجراءات روتينية معقدة، وهو الأمر الذي لا تفرضه حكومة أوروغواي.

وقد يقود هذا التململ إلى تغييرات تطال رؤوس السلطة هناك لن تكون وسائلها بالضرورة سلمية. والحال كذلك، لا بد من إسناد الفضل لموخيكا في هذا التحول البطيء والعقلاني والعلمي باعتباره رجل الأيديولوجيا والبراغماتية بلا منازع.