قال عضو المكتب التنفيذي لحركة نداء تونس التونسية المعارضة محسن مرزوق، إنّ بلاده باتت على أبواب ثورة هادئة تحقّق للتونسيين ما كانوا ينشدونه من ثورتهم الأولى، متهماً حزب حركة النهضة بمحاولة فرض «انقلاب حضاري» على حياة التونسيين قاومه المجتمع بقوة، وحمّل الحكومات السابقة التي قادتها «النهضة» مسؤولية التهاون في مواجهة العنف.
وأوضح مرزوق، الذي يتولى ملف العلاقات الدولية في الحركة التي تأسّست في العام 2012، في رد على أسئلة «البيان»، إنّ حكومة الترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة زادت الوضع سوءاً لعدم ضبطها الحدود إلى جانب سوء إدارة في الجانب الاقتصادي. وانتقد عدم التزام «النهضة» وشريكيها في الترويكا بفترة التفويض الممنوح للمجلس التأسيسي. وأعاد تلك المماطلة إلى سعي «النهضة» إلى التغلغل في أجهزة الدولة.
وانتقد السياسي التونسي المعارض الضغط الزماني على التونسيين في استحقاقي الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتمنى أن تكون الانتخابات شفافة ونزيهة لترتسم «بداية الثورة الهادئة بعد كل مراحل الثورة المتشنجة.. وتتحول فعلاً إلى مسار إصلاحي طويل المدى، ويحول تونس إلى دولة خالية من التهميش، دولة عنوانها التقدم».
وعن موقع حركته في المشهد السياسي، قال رداً على تساؤل لـ«البيان»: «نحن متفائلون بأن هذه الانتخابات إن تمت بطريقة سليمة ستعطي حركة نداء تونس المرتبة الأولى».
وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» ومحسن مرزوق، والذي تركّز على آفاق تونس ما بعد الانتخابات التي تنطلق دورتها في أكتوبر المقبل، مع «جردة» حساب على الأداء السياسي في تونس خلال العامين المقبلين:
كيف تبدو الأوضاع في تونس والتي باتت على أبواب استحقاق ديمقراطي كبير يتطلّب استقراراً؟
الوضع أحسن من دول أخرى، ولكن من الصعب المقارنة بين تونس ودول أخرى، فالشعب التونسي مسالم والعنف ليس من طبعه.
تونس على مدار تاريخها كانت بعيدة عن مناطق التوتر في العالم، لذلك يبدو ما تعيشه تونس من توتر أهون مما يعانيه الآخرون، ولكنه على التونسيين صعب جداً.
كيف كان أداء تجربة الترويكا.. والحكم التشاركي؟
حكومة الترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة زادت الوضع سوءاً مع أن التونسيين كانوا يأملون أن يشهد الوضع استقراراً بعد انتخابات 2011، فتلك الحكومة تهاونت أمنياً مع العنف المسلح ومع الجماعات الجهادية، ولم تحكم الرقابة على الحدود مع ليبيا، حيث كان السلاح ينهمر على تونس في ظل أوضاع منفلتة. أما بالنسبة للوضع الاقتصادي، فكان هناك سوء إدارة بين جعل الوضع يتردى ويزداد سوءاً.
وعلى المستوى السياسي، كان المفروض أن تدوم المرحلة الانتقالية سنة، ولكن المهيمنين على الوضع السياسي «مطّوها» لثلاث سنوات ووجدنا أنفسنا مضطرين للذهاب إلى انتخابات تشريعية ثم رئاسية في ظرف زمني قصير لا يتعدى الثلاثة شهور.
ألا ترى من المبالغة تحميل كل الإخفاقات لحركة النهضة وهي أحد ثلاثة شركاء في الحكم؟
نحن لا نحمل أياً كان أكثر من مسؤوليته. الأحزاب التي قادت تونس في ما بعد الثورة انتخبت لمدة سنة ولهدف واحد هو سن الدستور.. لكنهم حولوا المسار السياسي وباتوا يتصرفون وكأنهم وصلوا للسلطة عبر انتخابات برلمانية عادية.. وقسموا السلطة في محاصصة مع حزبين آخرين.
ولكن الأكيد أن الفترة الماضية كانت وضعاً غير قانوني، فبعد سنة نزعت الشرعية عن المؤسسات لانتهاء التفويض.
كيف تقيّمون فترة الحكم الماضية التي كانت تهيمن عليها «النهضة»؟
حاولوا فرض انقلاب حضاري على حياة التونسيين، فبدؤوا في أسلمة الدولة وكان لذلك رد فعل قوي في المجتمع. كما لعبوا على التناقضات عبر تقسيم المجتمع إلى مسلمين جيدين ومسلمين غير جيدين، إلى جانب تهاونهم مع العنف.
3 مسؤوليات
ماذا تأخذون على «النهضة» وأسلوبها السياسي؟
نحمل النهضة ثلاث مسؤوليات:
• انقلابهم على التفويض الشعبي الذي كان واضح المدة والأهداف.
• إساءة إدارة السلطة. فالحكومتان اللتان شكلتا خلال هيمنة النهضة على الحكم كانتا قائمتين على المحاصصة الحزبية، وأسندت حقائب وزارية إلى أشخاص غير أكفاء، وكان المعيار الوحيد هو الموالاة الحزبية.
• لم يكونوا حازمين في معالجة الملفات الأمنية، وذلك بسبب محاباتهم الآيديولوجية للسلفيين.
وهذه ثلاثة أخطاء فادحة، ففي الوضع الانتقالي الذي كانت تعيشه البلاد كل خطأ يعادل مئة.
أولويات
ما هي الرؤية التي انطلق حزب نداء تونس وفقها؟ وما هو برنامجكم وأولوياته؟
عندما أسسنا حزب نداء تونس كان هدفنا الأول تحقيق التوازن السياسي وهذا ما نجحنا في تحقيقه الحمد لله.. كذلك عملنا على إخراج حكومة الترويكا من السلطة وهذا ما تحقق عبر تشكيل حكومة مستقلة.
وكان هدفنا الثالث تقييد سلطات المجلس التأسيسي الذي رفع عنه الغطاء الشرعي، واستطعنا خلق آلية جديدة لأخذ القرار الوطني عبر إيجاد آلية الحوار الوطني خارج إطار المجلس التأسيسي وبرعاية منظمات وطنية مثل نقابة العمال ونقابة رجال الأعمال ومنظمة حقوق الإنسان وعمادة المحامين.
وفي المرحلة المقبلة، سيكون التركيز على الانتخابات التي لا بد أن تكون شفافة ونزيهة على أساس أن تكون بداية الثورة الحقيقية.
الثورة التي يريدها التونسيين هي لتحسين الاقتصاد، وتطوير النظام الصحي، وإصلاح النظام التعليمي، وتحسين حياة التونسيين التي ساءت على جميع المستويات.
لماذا تعتبرون أن مدة ثلاثة شهور غير كافية لترتيب الانتخابات؟
لم تنل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الوقت الكافي للترتيب لهذا الاستحقاق.. فهي أمامها شهر، وخلال رمضان، لتسجيل الناخبين وهي فترة صعبة يغيب عنها الترويج الكافي للعملية الانتخابية، فضلاً عن الصعوبات اللوجستية التي ستواجه دفع التونسيين لثلاثة انتخابات في ظرف ثلاثة شهور.
نحن نرى في ذلك استعجالاً لتدارك تأخير طال المسار السياسي الذي شهد تضييعاً للوقت هدفه كان التغلغل في أجهزة الدولة.
هل ترون الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مستقلة فعلاً؟
المفروض أن تكون كذلك، ولكن هناك الآن العديد من الأسئلة في ضوء تعيينات على المستوى الجهوي (المناطق). وهناك الآن تشاور بين القوى الوطنية والديمقراطية للخروج بموقف موحد ينادي بتخلص الهيئة من كل الشخصيات المشكوك في استقلالها ونزاهتها.
وهناك تساؤلات حول نقاط تهدد المسار الانتخابي، مثل انضباط الأحزاب لقانون الأحزاب الذي يمنع استخدام دور العبادة في الدعاية السياسية الحزبية، ويمنع تشكيل الأحزاب على أساس ديني. وهناك تساؤلات كبيرة حول التمويل الانتخابي في ظل ملاحظة صرف أموال طائلة على الدعاية الانتخابية من قبل جمعيات قريبة من حركة النهضة.
المطلوب قرار وطني حاسم لمنع اختلالات في المسار الانتخابي المحشور في فترة زمنية قصيرة.
آمال انتخابية
ماذا ينتظر التونسيون من الانتخابات التي قد تعيد لهم «النهضة»؟
استطلاعات الرأي النوايا التصويت تضع نداء تونس في المقدمة بـ44 في المئة ثم النهضة بنحو 26 في المئة. وإذا جرت الانتخابات بشكل شفاف ونزيه فلا شك في الفوز بالسباقين، فمرشح نداء تونس للرئاسة الباجي قايد السبسي يحتل منذ سنة ونيّف المقدمة في كل استطلاعات الرأي، ولكنّنا نخاف من المال السياسي، ومن استغلال المساجد، ومن العنف الذي يتحكم به بالريموت كونترول.
ما هو برنامج حزبكم السياسي؟
إعادة سلطة الدولة التي تم التلاعب بها في الفترة السابقة. ثم إعادة الأمن عبر حرب بلا هوادة ضد الإرهاب في إطار استراتيجية وطنية ـ عربية ـ دولية.
وثالث أهدافنا وضع إجراءات سريعة لتخفيف معاناة الناس اقتصادياً واجتماعياً عبر برنامج متوسط المدى يحول تونس إلى مكان جاذب للاستثمارات ليساعد على الإقلاع الاقتصادي للأماكن المهمشة.
بعد الانتخابات نحن متأكدون من دعم الأشقاء لإعادة التوازن إلى موازنة الدولة ثم الشروع في الإصلاحات الكبرى.
إذاً، تبدون واثقين من أنّ الناخب يريد التغيير بعدما لمس الفشل؟
هناك إحباط عام من سياسات الحكومات المتعاقبة. الناس أنهكت اقتصادياً وعلى صعد مختلفة حتى في تفاصيل الحياة اليومية. فعلى سبيل المثال، هناك ظواهر مؤسفة بتنا نعيشها، كغزو الزبالة شوارع المدن، وهذا نتاج للترهل الذي أصاب أجهزة الدولة خلال السنتين الماضيتين من الإدارة السيئة والتوظيف الحزبي لمؤسسات الدولة.
نحن نعتقد أنه كان هناك تدمير منهجي للإدارة التي كانت من أهم نقاط قوة الدولة. ففي 15 يناير 2011 انتظم الموظفون في مراكز عملهم، ولم تنقطع الكهرباء وأي من الخدمات..
أما الآن، فنحن نشهد نزاعات سببها التوظيفات الحزبية ومحاولة تيار سياسي ركوب موجة الثورة التي لم يشارك فيها، وحولها من ثورة من أجل الشغل والحرية والكرامة وتحسين الظروف الاقتصادية إلى ثورة على قضايا الهوية والانقسامات كما هو حال المنطقة العربية. ونحن الآن نقاوم كي تكون الانتخابات بداية تحقيق الثورة الهادئة بعد كل مراحل الثورة المتشنجة.. وتتحول فعلاً إلى مسار إصلاحي طويل المدى، ويحول تونس إلى دولة خالية من التهميش، دولة عنوانها التقدم.
نحن متفائلون بأن هذه الانتخابات إن تمت بطريقة سليمة ستعطي حركة نداء تونس المرتبة الأولى.
عوامل مؤثرة
هل ترى تأثيراً للعامل الخارجي في سير العملية الديمقراطية؟
لا يمكن عزل الانتخابات عن الوضع الإقليمي، ورغم أن التونسيين هم من سينتخبون، ورغم تأكيد القرار الوطني، لكن لا يمكن إغفال واقع وجود تونس في وسط دوامة ما يحصل في المنطقة.
كم عاملاً خارجياً «يلعب» في تونس؟
هناك أدوار عدة، بعضها عربي وبعضها دولي.. وفي المقابل هناك العديد من الدول العربية والأجنبية التي يهمها أن تكون تونس مستقرة. نحن نتطلع إلى كل أشقائنا وأصدقائنا من دون استثناء أن تكون العلاقة في إطار احترام السيادة والقرار واختيارات التونسيين في أن يكون لديهم دولة آمنة واستقرار.
ونحن في نداء تونس، ورغم أننا لسنا في السلطة، نحرص على تطوير علاقات متميّزة مع كل الدول الشقيقة، ولا يفوتني هنا أن أثني على دور دولة الإمارات في دعم تونس. الدور الإماراتي من الأدوار الواضحة التي تحترم تونس منذ أمد.
تونس بعد الانتخابات ستكون دولة تحترم علاقاتها مع كل الدول.
العلاقة مع «النهضة»
خلال المرحلة الانتقالية وجدنا شراكة (ترويكا) بين النهضة والتكتل والمؤتمر وهي أحزاب متباعدة آيديولوجياً.. هل هناك خيوط تقارب ممكن بين نداء تونس والنهضة أم أن الأمر بعيد المنال؟
مشروعنا ومشروع النهضة متباعدان تماماً. نحن مرجعيتنا إسلامية لأننا مسلمون ونرفض احتكار الدين لحزب أو تيار، ونحن مع فصل الدين عن السياسة ونرفض استخدام الدين في السياسة، ونرى الدين للجميع.. هو ملكية مشاعة ومشتركة، ولا يستطيع أحد استعمال الدين وتوظيفه لأهداف سياسية ضيقة إلا ويكون العنف هو النتيجة، لأن كل محاولة لوضع اليد على المقدس العام هو سرقة لشيء مشترك.
اختلافنا مع حركة النهضة غير مقتصر على استخدام الدين سياسياً، ولكن أيضاً لعدم كفاءتهم خلال إجارتهم للسلطة.. جُرّبوا ففشلوا، ولو كان غيرهم في ذات الموقع لكنا اختلفنا معهم.
النهضة استخدمت العنف وسيلة لإدارة سلطتها وحل المشاكل السياسية. ونحن نختلف معهم أيضاً لأنهم قدموا مصالحهم الآيديولوجية وارتباطاتهم العالمية مع الإخوان المسلمين على مصلحة تونس الوطنية.
نحن طلبنا منهم أن يتحولوا إلى قوة وطنية ويفصلوا بين الجانبين السياسي والدعوي، لكن بكل أسف لم يتجاوبوا ولا تزال النهضة تدمج بين الدين والسياسة.
ملاذ لـ«الإخوان»
بعد أحداث يونيو ويوليو 2013 في مصر والضربات التي تعرض لها الإخوان المسلمون ومشروعهم تردد أن الإخوان يبحثون عن ملاذ آمن، وأن تونس قد تكون المستقر الجديد لهم.. هل لديكم معلومات في هذا الجانب؟
هناك الكثير من المعلومات حول هذا الموضوع، ولكن من المستحيل تنفيذ هذا الأمر بوجود الحكومة المستقلة، ونحن طلبنا من الإخوة في النهضة التبرؤ من الإخوان المسلمين، ونحن في كل الحالات لا نقبل أن تتحول تونس إلى مقر لتنظيم عابر للدول ويسيء إلى الدول الشقيقة واستقرارها.. وهذا التزام من قبل حركة نداء تونس، فتونس لن تكون إلا مكاناً للحياد الإيجابي في المنطقة، تقوم علاقاتها على احترام استقرار الدول وعدم التدخل في شؤونها.
حركات "سيسلامية"
ما مدى قوة القوى السياسية الإسلامية في تونس؟
أنا لا أسميها حركات إسلامية بل هي سيسلامية تخلط بين السياسة والإسلام.
هذه الحركات جربت التلاعب بمشاعر الناس، وعندما استلموا السلطة لم يكن سلوكهم السلوك الإسلامي المعروف، إذ وزعوا المناصب على بعضهم وعينوا أقرباءهم في المناصب ما جعل التونسيين يكشفونهم.. ولم يترجموا وعودهم.
إصلاح تعليمي
أوضح محسن مرزوق، في رد على سؤال لـ«البيان» عن تأثير حركة النهضة في المناهج والقطاع التعليمي خلال فتر حكمها، أنّهم «لم يتمكنوا من تحقيق هذا، لكن المدرسة التونسية تحتاج إلى إصلاح منذ ما قبل الثورة».
وتابع السياسي التونسي القول: إنّ «هذا الميدان بقي من دون أي معالجة في الفترة الأخيرة، لذلك حصل تدهور كبير في الخدمات التعليمية».
جنسيات عدّة
قال القيادي في حركة نداء تونس محسن مرزوق: إنّ المجموعات الإرهابية في تونس تضم جنسيات مختلفة، والسلاح يتسرب من الشقيقة ليبيا، وثمة أموال طائلة تتدفق عبر الحدود.. وهذه عوامل ستلقي بظلال التأثير على الانتخابات.
وتبع مرزوق القول: «كان الأمن يحذر من وجود جماعات متطرفة تتدرب في الجبال ولكن القائمين على أمور الحكومة كانوا ينكرون ذلك ويبررون ذلك الوجود».

