انتقدت وزيرة خارجية رواندا لويز موشيكيوابو في حوارٍ مع «البيان» بكيغالي فرنسا، معتبرةً أن باريس «آذت» بلادها بشكلٍ خطير، ومستبعدةً اعتذار الإليزيه عن دوره الملتبس في رواندا قبل عقدين إبان حقبة الإبادة الجماعية وما تلاها، كما اتهمتها باستخدام نفوذها دولياً للتأثير على مجريات الأحداث في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى.
في حين امتدحت العلاقات بالولايات المتحدة، وتحدثت من جهة أخرى عن دور خفي للقوى الاستعمارية التقليدية في الكونغو وإفريقيا الوسطى، ومنتقدة استخدام المساعدات الخارجية للتلاعب بالمتلقين. وتالياً نص الحوار:
يبدو أن فرنسا بدأت تتصالح مع موقفها الذي أثار الكثير من الانتقادات قبل عشرين عاماً في رواندا من خلال محاكمتها رئيس الاستخبارات الأسبق المتهم بالتورط في المجازر باسكال سيمبيكانغوا، فهل تعتقدون أن هذه المحاكمة إعلان نهاية الحقبة التي منحت فيها باريس الملجأ لأولئك المتهمين بارتكاب الفظائع؟
هذه المحاكمة ضرورية، لكن لن أمضي إلى حد القول باعتبارها إعلان نهاية حقبة معينة وبداية علاقات جديدة مع رواندا. أعتقد أنه من المبكر توقع ما سيحصل. إحضار مرتكب إبادة جماعية إلى العدالة أمر مهم جداً ولن أقلل منه. وهذا الشخص بالتحديد ارتكب قبل المجازر أعمال تعذيب للعديد من المواطنين العاديين.
لكن فرنسا تواجه وقتاً صعباً في التصالح مع تاريخها وقبوله وخاصة بشأن ما حصل في رواندا. فليس من السهل على فرنسا الاعتراف بأنها ارتكبت أخطاءً ودعمنا الطرف الخطأ، فهذا لم يحصل. وعدا عن تلك المحاكمة، هناك 27 قضية في أروقة القضاء الفرنسي تتوازى مع موقف سياسي معين مقابل تلك الأمور القضائية البحتة.
هي إشارة جيدة ونرحب بها وإن كانت متأخرة قليلاً. على كل حال، لا يجب انتظار حلول الذكرى العشرين للقيام بالشيء الصحيح، لذلك لن أعطي هذه المحاكمة أكثر مما تحتمل.
هل تتوقعون اعتذاراً رسمياً من باريس بحلول الذكرى العشرين للإبادة الجماعية؟ وهل هذا سيرضيكم؟
لا يتعلق بالأمر بطلب رواندا اعتذاراً. برأيي، الاعتذار يأتي من خلال الوصول الى مستوى معين من الندم والشعور بثقل الخطأ. ولا أعتقد حتى الآن أن السلطات الفرنسية وصلت الى هذا المستوى من الإقرار والشعور بسوء ما فعلته.
فرنسا آذت رواندا بشكل خطير. ومن خلال كل ما أراه، هناك تاريخ من الإنكار والتستر والانحرافات. لذلك، سأترك الموضوع للقيادة الفرنسية لتقرر فيما إذا سيكون الاعتذار مناسباً ومتى يقدم، فالكرة في ملعبها لتقرر.
أميركا والمساعدات
تنتقد الولايات المتحدة بين الفينة والأخرى الوضع الداخلي في رواندا، وفي نفس الوقت تنسق معكم فيما يخص العديد من الملفات، ومنها افريقيا الوسطى، فكيف تقيمون العلاقات مع واشنطن؟
العلاقات مع الولايات المتحدة قوية جداً وصلبة، خاصةً بعد الإبادة الجماعية. واشنطن، وكما أتذكر لأنني كنت مازلت هناك، عملت الكثير لإرجاع رواندا إلى المشهد الدولي وإعادة تأهيل بلد دمر بالكامل على مستويات عدة.
ومن هذه النقطة، نتمتع بعلاقات جيدة جداً وتتسع على مدى الساحة السياسية داخل أميركا. فلدينا أصدقاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ووسط المال والأعمال.
العلاقة شاملة على الرغم من أننا نختلف، وأحياناً نتعارك، بشأن الطريقة التي قررت معها رواندا أن تدير شؤونها فيما يتعلق بقضايا الحقوق والديمقراطية والعمل السياسي. لكننا دائماً سرعان ما نجد طريقة لحل تلك الخلافات والعودة الى الجزء الأكبر من تلك العلاقة.
كيف برأيك يمكن لكيغالي أن تكون أقل اعتماداً على المساعدات الخارجية، وبالتالي تصبح أكثر استقلالية في علاقاتها بالقوى الكبرى؟
هناك حقيقة واضحة وهي أن المساعدات وسيلة القوى الكبرى للتحكم، وأحياناً التلاعب، بالدول التي تتلقاها. رغبة رواندا هي في التخلص من الاعتماد على المساعدات بأسرع وقت.
والأمر سيتطلب عملاً شاقاً لتنمية اقتصادنا والوصول إلى مرحلة متطورة في مجال البنى التحتية وخاصةً المواصلات والكهرباء. نريد لهذا الأمر أن يتم غداً صباحاً، ولكن نعلم أنه يتطلب عدة أعوام. ولكن هذا هو هدفنا الرئيسي.
إفريقيا الوسطى
هل تعتقدون أن الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى قد يتحول الى نسخة القرن الـ21 من رواندا؟
لا. الوضع في إفريقيا الوسطى معقد وسيئ جداً ويلامس ضمائرنا كلنا. لكن هناك مبالغة بعض الشيء في اطلاق تسميات «نسخة جديدة من رواندا» على كل صراع يشتعل من هنا وهناك. أعتقد أن الخاصية في رواندا، والتي لا تنطبق على ما يحصل في الصراعات الأخرى، هو أن الدولة هنا وأجهزتها جلست وخططت بعناية لإبادة مجموعة معينة.
لقد كان مشروعاً كبيراً نفذته الدولة. أما في افريقيا الوسطى، فالوضع هو صراع بين مجموعة واخرى وله علاقة بنقص الحقوق السياسية التي تعاني منها افريقيا الوسطى منذ الاستقلال وليس عملاً مخططاً من مؤسسات الدولة أو قيادتها للتخلص من مجموعة أخرى. لا يعدو الأمر عن كونه مجرد فوضى.
افريقيا الوسطى تتفكك كدولة، لكن الإبادة الجماعية أمر آخر. أسوء ما يمكن أن يحدث في افريقيا الوسطى هو حرب أهلية; وأعتقد أن الجوانب الدينية للصراع تفاقمت بسبب قادتها مؤخراً. وفي بلدٍ فقد مرجعيته وتم تشييء الناس فيه وفقدوا الأمل، فإنه من الطبيعي أن تحصل مثل هذه الأشياء.
ومع كل هذا، أعتقد أنه بإمكاننا بسهولة إيقاف ما يحصل، فنحن منخرطون عبر قواتنا المتواجدة لحفظ السلام. لكن ما ينقصنا هو خطة محضّرة بطريقة أفضل من قوات الاتحاد الإفريقي، الذي يعاني أيضاً من ضعف في بنيته.
هل ترون أنه يجب منح قوات الاتحاد الإفريقي في افريقيا الوسطى التفويض للتدخل واستخدام القوة على غرار جمهورية الكونغو الديمقراطية؟
لا يوجد هناك سبب يمنع تلك القوات من القتال. قواتنا فعلتها منذ أكثر من ثلاثة اسابيع حينما تدخلت لإيقاف عنف الغوغاء ولها الحق دائماً في الدفاع عن نفسها. الأمر لا يتعلق بالتفويض نفسه بل بعمل منسق بطريقة أفضل من قبيل مد هذه القوات بمعدات افضل.
يجب أن نرى في الأمد القريب الناس في الدائرة السياسية وقد توالوا المسؤولية هناك، ويجب أن نتكلم إليهم ونجعلهم يشعرون أن لا منفعة من استمرار القتال، وتزويدهم بالحاجات الأساسية وبأسباب التطلع نحو المستقبل. لا يجب الارتهان إلى العمل العسكري فحسب لإيقاف ما يحصل.
الكونغو الديمقراطية
هناك قلق دائم بأن الوضع في منطقة البحيرات العظمى سيمتد الى مناطق اخرى في افريقيا. هل تعتقدون أن الأمر لا مفر منه في نهاية المطاف؟
منطقة البحيرات العظمى تملك تاريخاً صعباً منذ فترة الاستعمار الذي قسم بلدانها وأيضاً بسبب نقص حس القيادة في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تعاني منذ أعوام طويلة من مشكلة الحكم.
والكلمات الكبيرة مثل الحوكمة والتوجه الاستراتيجي تعني ببساطة أننا امام بلد كبير وغني جداً سكانه لا يشعرون أنهم ينتفعون من ثروات بلدهم وأن كل انواع حركات العنف تستلم زمام الأمور بسبب فراغ القيادة.
تاريخياً، المشكلة تكمن في شرق الكونغو، لكننا نرى اليوم أن المسألة الأبرز هي في إقليم كاتانغا على حدود زامبيا.
هناك عدة أمور يجب أن تتم لدعم الاستقرار في الكونغو، بحيث لا نترك الفرصة لظروف تنتهي بسيطرة هذا الفصيل أو ذاك على أجزاء مختلفة من البلاد، خاصةً أن هناك تسعة جيران لتلك الدولة وهذا ما يخلق نوعاً من التفاقم لأي وضع مستجد فيها.
وبكل صراحة، القوى الاستعمارية التقليدية لا تزال تعمل في الخفاء مثل بلجيكا وفرنسا تحديدا اللتين لم تتركا الكونغو.
تقليدياً، الأمر يتعلق ببلجيكا لكنها تجلس في المقعد الخلفي ولديها أخ اكبر وهو فرنسا التي تستخدم مقعدها ونفوذها في مجلس الأمن للتأثير في العديد من الأمور وهو تأثير يمتد أيضاً إلى افريقيا الوسطى، وهذا عامل لا يجب تجاهله.
وما لاحظناه في الكونغو لأكثر من عامين أن دول المنطقة لا تتفق دائماً مع دول الغرب المهتمة فيه مثل فرنسا وبلجيكا وبريطانيا بل وحتى الولايات المتحدة.
لذلك، وبينما نحاول أن ننظر الى التاريخ ونقترح عدة طرق للتخلص من تلك المشاكل المعقدة في الكونغو، تأتي جهة ما من خارج القارة بأسلوبها الخاص لحل المشاكل.
ومثال على ذلك، لدينا قوات أمم متحدة اليوم هي الأكبر كما أعتقد بتعداد يتجاوز 20 ألف جندي بكلفة 1.6 مليار دولار سنوياً وحصيلتها 13 عاماً من الفوضى.
لذلك أي شخص بنوايا حسنة يجب ان يطرح السؤال التالي: هذه قوة كبيرة وبكلفة باهظة.. ما الذي نستثمره حقاً هناك؟. من المؤكد أن أحداً لا يريد الاستثمار في الفوضى. هناك ضعف في الحوكمة الداخلية وعجز وطني أساسي وأيضاً تدخلات من دول غير افريقية
. في جنوب السودان، الوضع مختلف ولكنه يواجه نفس ظروف الكونغو وكذلك افريقيا الوسطى.
المتمردون في جنوب السودان أثاروا اتهامات بأن فلول حركة «إم23» وحتى عناصر من تنظيم «القوات الديمقراطية لتحرير رواندا» تقاتل الى جانب نظام الرئيس سلفاكير، هل من تعليق؟
لا علم لدينا بوجود أي عناصر من الكونغو تقاتل في جنوب السودان، فالوضع سيئ بما فيه الكفاية هناك. ربما هناك بضعة دول متصلة تقليدياً بجنوب السودان، فضلاً عن حراك منظمة «إيغاد»
. جنوب السودان بلد نفطي، وطالما أن هناك نفطاً، هناك اهتمام من جهات ليس من الجوار.
لن أقلق من امتداد الوضع في منطقة البحيرات العظمى إلى جنوب السودان، وحتى لو حصل، فسيكون في حده الأدنى.
خلفية
سبق وفرضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان غرامة على فرنسا بسبب التباطؤ فى تحريك الدعاوى القضائية تجاه المشتبه فيهم المرفوعة أمام محاكمها منذ العام 1995.
كما أن اللجنة الدولية التي شكلت واستمعت لشهادة العديد من الباحثين والناجين من المذابح والصحافيين اتهمت في تقريرها باريس بلعب دور فعال في الانتهاكات التي شهدتها رواندا، فضلاً عن تأخرها عن كثير من الدول الأوروبية المجاورة مثل بلجيكا وسويسرا وألمانيا فى تقديم الروانديين المشتبه في تورطهم بالمذابح ممن يعيشون على أراضيهم إلى العدالة، الأمر الذي صنف فرنسا في خانة الدول التي توفر ملاذاً آمناً لقادة عمليات الإبادة.
وفي 2009، عينت باريس، بعد تحسن العلاقات الدبلوماسية مع كيغالي خمسة قضاة للتحقيق في ملف المطلوبين الروانديين.
مخاوف إفريقية من الفدرلة والحكم الذاتي
سألت "البيان" وزيرة الخارجية الرواندية عن رأيها فيما إذا كان الحل الجذري للوضع في الكونغو الديمقراطية يكمن في وجود حكم مركزي قوي في كــينشاسا أم التقسيم؟، فأجابت: الأمر عائد للكونغوليين لكي يقرروا. ما أستيطع قوله إنه كلما أسرع الكونغوليون في استلام زمام الأمور في مختلف مقاطعات بلادهم كلما كان أفضل.
هناك دائماً مخاوف من أي شكل من الفدرلة والحكم الذاتي خاصة في القارة الإفريقية.
وأضافت: هناك موقف كذلك داخل الاتحاد الإفريقي أن أي حديث عن انفصال أو فدرلة هو أمر معقد، ولكن في نفس الوقت، القوة ليست بالحجم بل بالكفاءة وحماية المواطنين. وقبل أن نصل الى هذه النقطة، هناك أمور أساسية يجب القيام بها.
فمثلاً، ما بين شمال وجنوب منطقة كيفو في الكونغو الديمقراطية فحسب هناك 300 منظمة غير حكومية. هذا أمر غير طبيعي، فلا يمكن لمنظمات غير حكومية أن تدير بلداناً. وقالت وزيرة الخارجية الرواندية:على الدولة أن تستلم زمام السلطة، وهذا لا يتم فقط بتعيين محافظ أو حاكم، بل بالوصول الى السكان ومعرفة احتياجاتهم. أيضاً، هناك الكثير من الطباخين في مطبخ الكونغو، وهذا جزء من المشكلة هناك.
دعمنا دبي لاستضافة «إكسبو2020» لأننا نثمن ما ستقدمه ولأنها تستحق
قالت وزيرة خارجية رواندا، رداً على سؤال لـ"البيان" عن أوجه التعاون التي يمكن من خلالها تطوير العلاقات مع العالم العربي والخليج: «لا أعتقد أن شق التجارة أو الاستثمارات كافٍ لتطوير العلاقات مع الخليج وبناء علاقات على الأمد الطويل تبنى على الاحترام المتبادل.
فالاعتراف الدبلوماسي والتجارة وتبادل الزيارات والتعاون السياحي والتعرف على ثقافة الآخر هي الأسس الأفضل لعلاقات طويلة الأمد». وأردفت: لا بد لي من الإشارة إلى أن رواندا صوتت لصالح دعم تنظيم دبي معرض إكسبو 2020، لأننا نرى أنها المكان حيث يجب أن يكون.
فدبي مكان رائع ومفترق طرق للعديد من الثقافات ومحور تجاري مهم جداً. معالي الوزيرة ريم الهاشمي امرأة حيوية ورائعة جداً وأعرفها عن قرب خلال حملة إكسبو. لقد دعمنا دبي لأننا نثمن ما ستقدمه في 2020 ونعتبر أنها تستحق تنظيمه.
سفارة في أبوظبي خلال شهور تغطي كافة دول الخليج
أجابت وزيرة خارجية رواندا على سؤال لـ«البيان» بشأن عدم إقامة كيغالي علاقات دبلوماسية مع معظم الدول العربية، وعن الطرف المسؤول عن النقص في التواصل، بالقول: هناك علاقات تجارية مع المنطقة، وفي الأعوام الماضية طورنا اهتماماً بالعلاقات مع دول الخليج العربي، فهناك العديد من الصداقات معها.
لربما نقص التواصل عائد إلى تقاليد وتاريخ سياساتنا، حيث كنا أدرنا ظهرنا إلى بقية العالم وتطلعنا نحو قوانا الاستعمارية التقليدية السابقة.
وأردفت: نهتم بشكل كبير بمنطقة الخليج، فكلما تقاربنا ودعمنا بعضنا البعض في هذا العالم الصغير، كلما استفدنا جميعنا. وكشفت وزيرة خارجية رواندا أن «قراراً اتخذ ينتظر التطبيق على الأرض بالتواجد دبلوماسياً في أبوظبي خلال شهور عبر سفارة تغطي منطقة الخليج.
أعتقد أنه كلما نسقنا أكثر على الساحة الدولية، كلما كان لزاماً أن نتواصل ونختار ما هو أصلح لمنفعتنا المتبادلة. نمتلك العديد من العلاقات والصداقات، لكن علينا أن نكتشف بعضنا البعض بشكلٍ أكبر».


