رأى الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في جامعة الدول العربية السفير فاضل جواد أن ثورات الربيع العربي تحولت عن مقاصدها؛ بسبب التدخلات الخارجية، واصفاً في سياق آخر، الخلافات بين بعض الدول العربية بأنها «سحابات صيف» وتمر سريعاً، كما كشف عن تعاون عربي - إسلامي لمكافحة التطرف الديني والتكفيري. وأوضح جواد، في حواره مع «البيان» الذي تطرّق إلى الوضع الداخلي العراقي وما يعانيه من أزمات، أن تعقد الأزمة السورية سيُطيل من عمر المفاوضات بين النظام والمعارضة في «جنيف2»، مشيراً إلى حساسية تلك المحادثات. وأكد أن التدخل الأجنبي فيها ربما يعقد مسارها، مرحباً في ذات الوقت بأي دور إيجابي للولايات المتحدة وروسيا لحلحلة الأزمة.
وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» والسفير فاضل جواد:
بعد الربيع العربي كيف تقيمون ثورات الربيع العربي عقب مرور ثلاثة أعوام عليها؟
الربيع العربي بدايته كانت «لطيفة» بشأن تغيير الديكتاتوريات إلى الديمقراطيات، وأن يحظى الشعب العربي بالسيادة والحرية والحقوق الأساسية التي تضمنها دساتير العالم كلها. ولا أريد أن أعطي للربيع العربي صورة سوداء، ولكن هذا الربيع تحول إلى غير المقاصد التي حدثت هذه الثورات من أجلها، وبدأت تتدخل فيها أيادٍ خارجية، وانحرفت عن مسارها الأساسي، لكن هناك دولة تختلف عن دولة.
أرى أن تونس أفضل من دولة أخرى، لكن ليبيا متعثرة جداً، وفي جامعة الدول العربية لدينا مساعٍ لدى الدولة الليبية؛ للمساهمة في إحلال السلام، والأمن في ربوعها وبمشاركة الأصدقاء، فليس من السهولة بناء نظام جديد بعد انهيار نظام كامل.
كيف نطمئن على البيت العربي من الداخل، في ظل ما يقال عن خلافات عربية ـ عربية على سبيل المثال مصر وقطر؟
البيت العربي جيد ومطمئن، والعلاقات إن شاء الله كلها جيدة، وهذه كلها سحابات صيف، وتمر بشكل خفيف، ومصر تبقى أم الدنيا وقوية بأهلها وقادتها.
الملف السوري والتعثّر
مع تعثر مفاوضات جنيف2، ما الدور الذي اضطلعت به الجامعة العربية لتذليل العقبات من خلال اتصالاتها مع الفاعلين الدوليين في الأزمة السورية؟
المفاوضات حساسة.. والتدخل فيها قد يُلحق ضرراً في مسارها؛ وهناك ممثل للأمين العام للجامعة العربية والأمم المتحدة هو الأخضر الإبراهيمي، يتولى المفاوضات ومسؤول عن نجاحها.. الآن انتهت الجولة الثانية، ونأمل أن تعقد الدورة الثالثة للمفاوضات وأن تكلل بالنجاح، لكن للأسف حتى الآن كل طرف من الأطراف مُصر على موقفه، فالنظام من جانبه يُطالب بإعطاء الأولوية لما يسميه موضوع الإرهاب، والمعارضة تريد التركيز على إنشاء مجلس للحكم مؤقت، تُخول له كافة الصلاحيات.
نحن في جامعة الدول العربية ما يهمنا الآن هو إدخال المساعدات الإنسانية، بعد أن كنا ننادي ولانزال بأكثر من ذلك، وهو ضرورة وقف إطلاق النار، ولكن حتى الآن لم يحدث التجاوب في هذا الشأن، ولكن مطالبنا الآن هي مسألة تقديم مساعدات إنسانية.
مفاوضات جنيف 2 مستمرة، كما سقوط الضحايا من الطرفين لا يزال مستمراً، لماذا لا يُصدر مجلس الأمن قراراً ملزماً بوقف إطلاق النار حتى تنجح تلك المفاوضات؟
هذه مشكلة حقيقية. وأتوقع أن تستمر المفاوضات وقتاً طويلاً، فأية مفاوضات تبحث مشكلة معقدة ستأخذ الوقت الطويل. أما مشكلة وقف القتال، فقد طالبت الجامعة العربية على كل المستويات، بضرورة وقف إطلاق النار، لكن لم يُستجب للدعوة من قبل الطرفين لا المعارضة ولا الحكومة، كما سبق وأن طلبنا من مجلس الأمن أن يتحمل مسؤوليته في مسألة وقف القتال، وإيصال المساعدات الإنسانية، ولكن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والتي تملك حق «الفيتو» لكل دولة منها رأي في الموضوع؛ لذلك حتى الآن لم يبحث في موضوع وقف إطلاق النار.
القضية الفلسطينية
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، كيف تقيمون مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وما تم تسريبه بشأن «اتفاق الإطار» لعملية السلام وهل الجامعة العربية متفائلة من هذا الحراك؟
موضوع اتفاق الإطار الذي طرحه وزير الخارجية الأميركي جون كيري لعملية السلام، سيعرض على مؤتمر القمة يومي 25 و26 مارس الجاري في الكويت، وقبل القمة سيتم بحثه على المستوى الوزاري في التاسع والعاشر منه؛ ثم يحال إلى القمة لاتخاذ القرار بشأنه.. لكن في العموم حتى الآن، لم يتم الإعلان عن هذا الإطار، رغم اطلاعنا على بعض البنود الواردة..
الفلسطينيون عادة ما يستعينون بالدول العربية لأخذ رأيهم، ونحن نسير على ما يرغب فيه الفلسطينيون، والرئيس الفلسطيني «أبومازن»، سيعرض الموضوع على القمة العربية في الكويت.
هل ستلتئم لجنة مبادرة السلام العربية على هامش القمة؟
ربما تجتمع في الكويت مثلما اجتمعت على هامش القمة العربية ـ الإفريقية الأخيرة بحضور الرئيس أبومازن.
الوضع العراقي
كيف تقيمون الوضع في العراق، خاصة في مناطق الأنبار والرمادي والفلوجة، وما الدور الذي يمكن أن تقوم به الجامعة العربية لمعالجة تلك المشاكل مع الحكومة؟
للأسف ما يدور في سوريا من أحداث يؤثر في العراق، فما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، يعمل على جانبي الحدود بين البلدين، فتسللوا من سوريا ودخلوا إلى الفلوجة وسيطروا عليها.. المشكلة أن الفلوجة عدد سكانها نصف مليون نسمة، وقد غادر منهم 300 ألف نسمة، وبقي 200 ألف، لذا فمن الصعوبة الدخول إليها كي لا يصاب المدنيون بأذى، ولا تزال المشكلة قائمة.
ألا توجد مبادرات وطنية لحلحلة تلك الأزمة وتجنيب العراق العنف؟
مجلس محافظة الأنبار والمحافظ والعشائر، قدموا مبادرة مهمة جداً للحكومة فقبلها رئيس الوزراء نوري المالكي، منها تخصيص مليار دولار تعويضات، إضافة إلى انسحاب الجيش من المنطقة وتطويع عشرة آلاف من العشائر في الشرطة، ونأمل من العشائر التي تقاتل مع «داعش» ضد الحكومة التوقف.
كيف ترون «داعش» وما موقف الجامعة العربية مما تقوم به في العراق؟
«داعش» التي ترفع الرايات الإسلامية امتثالاً لتنظيم القاعدة، نعتبرها «إرهابية»، وقد أدانها مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ودول عدة، بعد ما حدث من قتل وتدمير في هذه المنطقة جرائها، أما جامعة الدول العربية فلا تتدخل إلا إذا كان هناك طلب من الدولة المعنية؛ لأنها قضايا سيادية، بيت العرب يضم العرب ويتشاورون فيما بينهم، والأمين العام يُقدم المساعدات إذا ما صار أي طلب.
وهل هناك زيارة قريبة للجامعة العربية للتشاور حول مستجدات الأوضاع هناك؟
بالفعل هناك زيارة لوفد من الجامعة العربية برئاسة نائب الأمين العام للجامعة العربية السفير أحمد بن حلي إلى العراق يوم 22 الحالي بمناسبة اختتام مهرجان بغداد عاصمة الثقافة العربية، ولكن سيكون هناك لقاءات مهمة بين وفد الجامعة مع القادة العراقيين؛ ليستعرضوا الأمور والوضع في العراق.
برأيكم ما الذي يحول دون وقف العنف تماماً في العراق منذ التدخل الأميركي في 2003؟
هناك أسباب داخلية وأسباب خارجية للعنف في العراق، وتلك مشكلة عامة، فنحن نرى هذا على الساحة العربية الآن، سواء في اليمن أو ليبيا أو حتى في مصر إلى حد ما بسيطة، وإن شاء الله تخرج بسلام.. أما العراق فبعد احتلال القوات الأميركية له تغير النظام والعملية السياسية، وأنشئ دستور جديد، وفي نفس الوقت طفت على السطح مشاكل داخلية أثرت في الاستقرار، فالخلافات السياسية تتسبب في تعكير الصفو الداخلي؛ بسبب الخطب التكفيرية التي تنطلق من هنا وهناك.
رغم ذلك العراق أقام نظام جديد ديمقراطي، وهو يستعد لإجراء انتخابات الدورة الثالثة بعد اعتماد الدستور العراقي في شهر أبريل المقبل، وإن شاء الله يتعافى العراق بمشاركة إخوانه الآخرين.
مواجهة التطرف
هل هناك تعاون عربي ـ إسلامي لمواجهة التطرف؟
هناك دعوة من منظمة التعاون الإسلامي مع جامعة الدول العربية؛ لعقد مؤتمر لمكافحة التطرف الديني والتكفيري والدعوة للجهاد؛ لآن الجهاد ضد المسلمين غير مقبول.. والمؤتمر لن يكون مخصصاً للعراق فقط، فمسألة الجهاد والتطرف والتكفير لا توجد دولة عربية إلا وتعاني منه، ونخشى أن يستمر هذا ويذهب إلى دول أخرى.
متى هذا المؤتمر؟
لا يزال هناك نقاش حوله ولم يحدد بعد.
زيارات
سألت «البيان» الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في جامعة الدول العربية السفير فاضل جواد عن الزيارات التي يقوم بها السفراء إلى الجامعة العربية والملفات التي تبحث، فقال إنّ المحادثات غالباً ما تدور حول موضوع إدخال المساعدات الإنسانية، وليس للتدخل في شأن المفاوضات.

