تزداد مشكلة الإسكان في فلسطين يومًا بعد يوم، حتى تحولت إلى أزمة خانقة جعلتها من أهم التحديات التي تواجه السلطة الوطنية، وفي ظل التمدد الكبير للمستوطنان اليهودية، ورفض الاحتلال توسيع حدود البلديات الفلسطينية يعيش الفلسينوين حالة اختناق سكاني مع التزايد المطرد للمواطنين ومحدودية الأراضي وارتفاع أثمانها، هناك صعوبة كبيرة في شراء المسكن أو بنائه أو حتى استئجاره بسبب ارتفاع تكاليف البناء، وغلاء الوحدات، بسبب انخفاض مستوى الدخل.

وللوقوف على التحديات التي تواجهها الحكومة في هذا القطاع وما لديها من مشاريع وخطط لمعالجة المشكلة تحدثت "البيان" عبر حوار مطول مع وزير الأشغال العامة والإسكان ماهر غنيم .الذي أكد أهمية قطاع الأشغال العامة والإسكان ودوره الأساسي في تطوير وتنمية القطاعات الاخرى، مشددا على خطورة سياسات الاحتلال التي تفاقم أزمة السكن وتعيق التطور العمراني وتضيق الخناق على المواطنين وأوضح ليست كل المناطق تحت سيطرتنا، ولا نملك الحرية الكاملة للعمل بكل مناطقنا والحجم المسموح لنا بالبناء فيه محدود جدا ولا يتناسب مع النمو السكاني.

والاحتلال يعمل على نشر المستوطنات والمعسكرات لتكون قريبة من المدن والقرى وتفصل بينهما لتعيق التوسع العمراني وتطوير البنية التحتية والخدماتية.

وكشف عن الانتهاء من مسودة السياسة الوطنية للإسكان، وستعرض على مجلس الوزراء لإقرارها، لأهميتها في تطوير قطاع الإسكان وتنمية العمران ودعم صمودنا في مواجهة سياسات الكيان، وما تفرضه من معيقات. وأعلن سعي الوزارة لإنشاء صناديق عدة بهدف تأمين السكن الملائم لكل مواطن، وخصوصا محدودي الإمكانيات وذوي الدخل المنخفض، ومحاولة ابتكار انماط جديدة للبناء بهدف خفض التكلفة. وهنا نص الحوار.

كيف يعمل قطاع الإسكان في دعم خطة التنمية الاقتصادية الوطنية؟

يلعب دورا أساسيا ومهما في تطوير وتنمية القطاعات الأخرى، من مهن وحرف وزراعة واقتصاد وتخطيط وغيرها، نظرا لدوره في تأسيس البنية التحتية اللازمة لتطوير كافة القطاعات ضمن عملية بناء الدولة . ويساهم القطاع في الإنتاج المحلي، ويؤثر فيه بشكل مباشر، ويعتبر مؤشرا حقيقيا لعملية التنمية والحالة الاقتصادية بوجه عام، فضلا عن قوته التشغيلية ودوره في تخفيض معدلات البطالة، وسعيه لتوفير السكن الآمن والملائم للمواطنين كافة، ويعتبر السكن أحد الاحتياجات الأساسية لذلك تطال انعكاسات القطاع الأسر جميعها.

ما هي أبرز المعيقات التي تواجهها وزارتكم وهل هناك خطة واضحة لحل أزمة السكن؟

لا نزال نعاني من الاحتلال، فليست كل المناطق تحت سيطرتنا، ولا نملك الحرية الكاملة للعمل في كل مناطقنا، فاسرائيل قسمت الضفة الغربية بحسب اتفاق أوسلو إلى مناطق" أ" لنا الحرية بالعمل فيها، ومناطق " ب" التي تقع تحت السيطرة الفلسطينية من الناحية الخدماتية والتطويرية ولكن بدون صلاحيات في كافة المجالات، لأنها تقع أيضا تحت سيطرة الكيان أمنيا، وأخيرا مناطق "ج" التي تقع تحت السيطرة الكاملة للاحتلال ومنعونا من التطوير والبناء وإقامة المشاريع فيها، وتبلغ مساحتها حوالي 61 % من أراضي الضفة، ومن الضروري القول إن الاتفاق كان من المفترض ان ينتهي بعد ثلاث سنوات،من توقيع اوسلو لتصبح كافة تلك الاراضي تحت سيطرتنا الكاملة، لكن هناك اخلال بالاتفاق، فانعكس ذلك سلبا على كافة القطاعات والإسكان في مقدمتها .

والمؤسف انه عمل على نشر المستوطنات والمعسكرات لتكون قريبة من المدن والقرى وتفصل بينهما لتعيق التوسع العمراني وتطوير البنية التحتية والخدماتية في كليهما، وتعطل توسيع المخططات الهيكلية لبناء المزيد من الوحدات السكنية، وكل ذلك رفع سعر الأراضي الصالحة للبناء في أراضينا ضمن المخطط، فضلا عن ارتفاع أسعار المواد اللازمة للبناء وارتباطها بالسوق الإسرائيلي وأسعارها التي لا تتناسب مع اوضاعنا الاقتصادية، لذا نجد أن أسعار الشقق والمنازل لدينا مرتفعة، والمواطن يعاني مشكلة توفير السكن الملائم له والمناسب مع مستوى دخله .

مشكلة أكبر

ماذا بشأن المقدسيين هل يواجهون معاناة مشابهة ؟

في مدينة القدس تعتبر المشكلة أكبر، ومعاناة المواطن هناك تتسع نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال، وإجراءاته التعسفية المتبعة، والقرارات المنفذة لإجبار السكان على مغادرة المدينة، كرفع الضرائب، وعدم منح تراخيص البناء والتوسع، ورفع تكاليف البناء والرخص المطلوبة، ما جعل أراضي البناء قليلة جدا مقارنة بالاحتياجات،ورغم الحاجة الأكبر للسكن، الا ان القيود المفروضة هناك اكبر مقارنة بالمناطق الأخرى في الضفة الغربية .

وإقامة الجدار العنصري منع المواطنين من زيارة المدينة، فضرب ذلك عصب اقتصادنا الوطني والمشاريع الاقتصادية للمقدسيين، الذين كانوا يعتمدون على مواطني الضفة لتسويق بضائعهم .

وهناك أيضا منطقة الاغوار التي تعتبر مناطق "ج"، فاسرائيل تعتبرها منطقة أمنية وتمنع البناء والسكن فيها، ونحن نحاول تعزيز صمود المواطنين هناك من خلال توفير البيوت اللازمة ما أمكن،بالتعاون مع الجهات المختلفة، ومساعدة المواطنين المهددة بيوتهم بالهدم أو تلك التي هدمت، وتستهدف حكومة السلطة تلك المناطق بمشاريع زراعية مختلفة ومتعددة بشكل متواصل.

كيف تعمل الوزارة على مواجهة تلك التحديات ؟

نحاول التغلب عليها بأساليب مختلفة وصولا لإنهاء الاحتلال بشكل كامل وإقامة دولتنا المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وهناك نهضة عمرانية في المدن الكبرى ومنطقة الوسط، ولكن لا تزال التنمية السكنية محدودة ومصحوبة بارتفاع أسعار الوحدات السكنية،وهدفنا إحداث تنمية حقيقية

تتجاوب مع احتياجات الناس، ونركز على عملية صياغة السياسات الوطنية للإسكان بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية والبنك الدولي، والآن أصبحت مسودة السياسات الوطنية للإسكان جاهزة وسيتم طرحها على مجلس الوزراء لإقرارها .

ما هي أهداف السياسات الوطنية للإسكان؟

نسعى إلى توفير سكن لائق لجميع الأسر، وتطرح خمسة أهداف تقابلها خمس دعائم لقطاع الإسكان المحلي، مع الأخذ بعين الاعتبار محدودية الأراضي والظروف المعيقة التي يفرضها الاحتلال .

وهدفنا تمكين كافة المواطنين من الحصول على سكن ملائم وصحي وميسور التكلفة، وتشجيع إنشاء نموذج نمو مستدام جديد للمستوطنات البشرية،وزيادة فرص الحصول على تمويل إسكاني للكافة، ودعم وتطوير قطاع الإعمار المحلي، وإدخال انماط جديدة للبناء، وتحسين القدرة المؤسساتية لهيئات القطاع .

وكيف تعملون لتحقيق تلك الأهداف ؟

تعمل الوزارة على خلق جو مناسب وقادر على تحقيق الأهداف، وذلك عبر مراجعة التشريعات والقوانين ذات العلاقة بتنظيم القطاع ومتابعة تسجيل الأراضي، وانعكاسها الايجابي على الاستثمار العقاري، وتطوير وازدهار القطاع بما تقتضيه المصلحة العامة، وتسهيل العمل بمجال الإسكان لتشجيع وجذب المستثمرين.

ونقوم الآن بتحديد أولويات الدعم للمشاريع بما يتوافق والسياسيات الوطنية للاستثمار وأهمها تطوير شبكة البنية التحتية وتوسيعها لتوفيرالمزيد من المنطاق الصالحة للبناء السكني،وتمكين الفئات محدودة الدخل من امتلاك السكن المناسب.

وتستهدف الوزارة تنظيم مخطط استخدام الأراضي، موقعها وتصنيفها، سكنية أم أثرية أم صناعية أم سياحية ...وتوجيه المستثمرين للبناء في المناطق التي أقيمت فيها البنيات التحتية المناسبة .وتشجيع الجمعيات التعاونية ومشاريعها الإسكانية والانشائية،بهدف خلق بيئة متجانسة وتقليل التكاليف بنسبة 30% تقريبا .وضمن الخطة نسعى لإنشاء صندوق للإسكان والحصول على التمويل المناسب والكافي له، وتحفيز المانحين للمساهمة فيه لمساعدة ذوي الدخل المنخفض في توفير السكن الملائم لهم .

ونحاول ابتكار انماط جديدة للبناء من أجل خفض التكلفة وبالتالي خفض الأسعار بتوفير مواد بناء وإنشاء محلية، وتغيير نمط البناء القائم حاليا بشكل يخفض تكلفته، ولتحقيق ذلك يجري العمل على إنشاء مصنع اسمنت وطني ونبحث حاليا عن المنطقة المناسبة لإنشاء المشروع لأهميته .

ما هي طبيعة العلاقة بين وزارتكم والقطاع الخاص بمجال الإنشاء والبناء ؟

دور الحكومة في قطاع الإنشاء والإسكان يعتبر تنظيميا وتشريعيا،بينما التطبيق والتنفيذ يتم من خلال القطاع الخاص، بعد تجهيز الحكومة للبنية التحتية الملائمة، ومساعدة ذوي الدخل المنخفض بهدف توفير السكن لهم . وإذا ما تكللت خطة السياسة الوطنية للإسكان بالنجاح، فذلك يساهم بشكل فعال في إحداث تطور اقتصادي وعمراني يبلغ ذروته في حال تم الاتفاق على حل سياسي وأمني.

جدوى اقتصادية

حدثنا عن أهمية الاستثمار في قطاع الإسكان المحلي؟

بشكل عام يعد الاستثمار في الإسكان ذا جدوى اقتصادية وربحية كبيرة، خصوصا والاستقرار والأمن متوفران بالمناطق التي تسيطر عليها حكومتنا، وبالتالي فإن نسبة الربح بالنسبة للمستثمرين عالية جدا، والاستثمار في القطاع يدعم صمود المواطنين أمام سياسة حكومة الاحتلال الهادفة للسيطرة على أراضينا ومصادرتها وتهويدها، وتكمن أهمية الاستثمار في الحد من أزمة السكن محليا، وتنشيط الحركة الاقتصادية،لانعكاسه في تطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى، وتخفيض البطالة عبر توفير فرص عمل لأعداد كبيرة من المواطنين خاصة الشباب .

تجربة الإمارات

 

أشاد الوزير ماهر غنيم بتجربة الإمارات في مجال العمران والإنشاء والبناء والسكن، وما تشهده من تطور في كافة المجالات،فهي تجربة فريدة من نوعها في العالم، ومميزة جدا، ونسعى للاستفادة منها،ونولي التواصل مع الجهات ذات العلاقة في الإمارات أهمية كبيرة، لأنها كانت دوما سباقة إلى تقديم الدعم والمساعدة لشعبنا، وندعو المستثمرين بالإمارات والدول العربية كافة إلى الاستثمار في قطاع الإسكان الفلسطيني، لأنه واعد ومربح . ونحن كحكومة نؤكد من جانبنا تقديم كل ما يلزم من أجل توفير المناخ المناسب لنجاح استثمارات الجميع .