أكد الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة، (والذي يستعد لمغادرة القاهرة في غضون أيام لمباشرة عمله الجديد كسفير لمصر في الإمارات) أن لدولة الإمارات دورا رئيسيا في التنمية الدولية، مُثمناً في السياق ذاته المجهودات التي يبذلها أبناء المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدعم مصر في أزمتها الحالية.
وفي الحوار الذي خص به «البيان»، رصد حمودة المشروعات التي تقدمها الإمارات، وأبرزها توفير ثلاثة ملايين فرصة عمل خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، قائلاً إن بداخله «اعتذارا لدولة الإمارات عن هذا المجون الذي كان يحدث في زمن الإخوان»، ولافتاً إلى أنه يحمل «رسائل شُكر» للقادة الإماراتيين على موقفهم الداعم للقاهرة في محنتها. وأكد أن أمن الخليج من أمن مصر.
وإلى نص الحوار:
هل تعتقد أن الخارجية المصرية نجحت بنسبة كبيرة في تصدير حقيقة أن ما حدث هي ثورة شعبية وليس انقلاباً؟
في بداية الثورة نفسها كان هناك غموض يسيطر على عددٍ كبير من الدول فيما يتعلق بهذا الشأن، لكن الشعب المصري نفسه من خلال اتصالاته أفهَّم بقية الدول بأن لديها فهماً خاطئاً. الشعب المصري بنفسه وليس بأي قيادة معينة هو من سعى إلى تغيير هذه الصورة. التواصل الشعبي مع شعوب العالم أثبت أن ما حدث ليس انقلاباً بل ثورة حقيقية شارك فيها الملايين وأن المصريين هم من سعوا لتغيير ذلك الوضع.
العلاقات المصرية ـ الأميركية
كيف ترى العلاقات المصرية ـ الأميركية؟
الثورة في مصر أبرزت إلى حدٍ كبير كيفية أن تكون العلاقة هي علاقة «الند»، وليست «الحليف القوي». وبالتالي، تغير الوضع وحدث تغير اجتماعي وثقافي وبشري. فالشعب المصري يسعى دائماً بطبعه لعلاقة الندية، وليس لأن يُستخدم كأداة في المنطقة لتنفيذ سياسات معينة.
لكن، الولايات المتحدة تلوح دوماً بخيار «قطع المعونة» أو تقليصها، فكيف ترى تأثير ذلك على مصر؟
حكي عن المعونة الأميركية كثيراً، وأثيرت فكرة التخلي عن المعونات منذ أكثر من 15 عاماً، وأتذكر المرحوم د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس الأسبق حسني مبارك كان أول المنادين بقطع المعونة ليس لأخذ موقف سياسي معين من الولايات المتحدة، لكن لأن هناك شيئاً مُلحاً جداً وهو أن ينهض الشعب المصري وأن يقوم هو بتعويض هذه المعونة، عن طريق تدبير احتياجاته من خلال ثرواته البشرية والطبيعية. فالمعونة الأميركية لا تُمثل للشعب المصري أية مشكلة، حيث كانت الوزيرة في وزارة التعاون الدولي فايزة أبوالنجا من أول المنادين بقطعها أيضاً.
وبصفةٍ عامة، نحن أيضا كشعب مصري لو رأينا أن هناك ضغوطاً معينة من أجل تحقيق المصالح الأميركية في مصر، فنحن جميعاً نرفض هذه المعونة وسنقبلها فقط في إطار التعاون وما تم الاتفاق عليه منذ أن بدأت في أواخر السبعينات.
هل تعتقد أن هناك تخبطاً في القرار الأميركي إزاء مسألة المعونة؟
أعتقد في البداية أن مسألة قطع المعونة أو استمرارها شيء لا يخص الشعب المصري، ولسنا معنيين به.
العلاقات المصرية الإماراتية
هل تعول السلطات المصرية الحالية على المساعدات العربية؟
ليست المساعدات العربية فقط. فتلك المساعدات هي البداية لدفع القاطرة، وسوف تكون أساس التحرك المصري المقبل، وهذا ما وجدناه في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، ولمسناه من خلال تفهم كافة القيادات للوضع الراهن، بدايةً من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكافة القيادات الإماراتية.
فهناك دفعة إماراتية حقيقية لمصر تهدف في المقام الأول إلى تشجيع الدول الخليجية لاتخاذ خطوات معينة لدعم مصر التي تتعرض لأزمة اقتصادية وداخلية في هذا التوقيت. وموقف الأشقاء ظهر جلياً وواضحاً من خلال دور دولة الإمارات التي أتشرف ويسعدني أن أخدم كسفيرٍ لمصر فيها خلال هذه الفترة التاريخية، حيث أحمل لهم كل رسائل الشكر والتقدير على التعضيد الذي حصلنا عليه من جانب الدولة.
هل تعتقد أن العلاقات المصرية ـ الإماراتية كانت مُهددة في عهد «الإخوان»؟
الإمارات لم تبتعد عن مصر، وتصريحات القيادي «الإخواني» عصام العريان ضد الإمارات كانت هجوماً غير مسؤول. هناك بداخلي أنا شخصياً اعتذار لدولة الإمارات عن هذا المجون الذي كان يحدث.
تبدأ مزاولة عملك سفيراً لمصر بالإمارات مطلع الشهر المقبل، فما المهام التي كُلفت بها من قبل الإدارة المصرية، وما تطلعاتك؟
سعدت جداً منذ أن علمت أنه تم اختياري سفيراً لمصر في دولة الإمارات العربية المتحدة. فالإمارات هي الدولة التي انتدبت لتمثيل مصر فيها إلى أن حدث تغيير من خلال جماعة الإخوان وتم إعادة الأمور إلى نصابها بعد ذلك عقب ثورة 30 يونيو.
ومنذ البداية شعرت أنه لابد من إعداد نفسي إعداداً جيداً للعمل في هذه الدولة الشقيقة، وحتى قبل صدور الحركة الدبلوماسية. أحببت أن أتعرف على تاريخ البلد وعلى دولة الإمارات كدولة في الخليج العربي، وكيف وقفت إلى جانب دول عربية كثيرة.
وكانت لي تجربة دبلوماسية في إريتريا، وكنت أشعر بجهد الإمارات في هذه الدولة الصغيرة إفريقياً، حيث إن هناك شعورا دائما عندي بأن للإمارات دورا في التنمية الدولية، حيث تقوم بدورها الرائد في الدول الفقيرة التي تحتاج إلى التعاون والتنسيق المستمر.
وبعد 30 يونيو، لوحظ تعدد الزيارات من خلال كبار المسؤولين الإماراتيين إلى مصر، وبدأت منذ ذلك الوقت متابعة كافة اللقاءات، وحضرت مؤخراً اللقاء الذي تم في هيئة الاستثمار مع وفد إماراتي رفيع المستوى برئاسة معالي الدكتور سلطان بن أحمد سلطان الجابر وزير الدولة. وفي هذا اللقاء، تم عرض موضوعات عِديدة لاحظت خلالها أن الجانب الإماراتي قضيته الأساسية هي كيفية إنعاش الاقتصاد المصري ونهوض مصر من الكبوة المؤقتة التي قد تكون وقعت فيها حالياً.
كما لاحظت أيضاً أن هناك جدية في التعامل، وجداول عمل معادلة لهذا الغرض ورغبة إماراتية حقيقية في أن تنهض مصر وتقود من جديد العالم العربي، وأن يكون هناك دور خليجي مميز في مصر وبقية دول الربيع العربي خلال المرحلة المقبلة. ووجدت تعاوناً في مجالات عديدة، سواء النقل أو المواصلات أو التعليم أو الصحة أو الإسكان، فالخليج العربي هو قضية أمن قومي مصري، وأمن الخليج هو أمن مصر.
رسائل
وما الرسائل التي تحملها من الشعب المصري للإمارات؟
الرسائل عديدة. والرسائل التي تهمني أكثر هي رسائل الشعب المصري لنظيره الإماراتي أن هناك تقديراً لحبكم إلى مصر. هذا الحب الذي ظهر جلياً خلال هذه المرحلة التي مرت بها مصر في العام الماضي.
وأنا أوجه كل الشكر للشعب الإماراتي وأعتز وأقدر وأثمن الاهتمام الخاص من قادة الدولة في الإمارات أبناء المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأقول لهم: «نحن نقدم إليكم بكل قلبٍ مفتوح، ونُقدر ونثمن كل جهودكم في كافة المجالات التي تتعاونون فيها مع مصر، ونريد أن نقول لكم إنكم أهلنا وأنكم السند والتعزيز لمصر، وأن مصر في نفس الوقت هي أيضاً السند لكم وستقف إلى جانبكم في كل الظروف».
وما أبرز الملفات التي كُلفت بها؟
أنا مكلف بكل الملفات، بداية من تقديم الشكر لهذا الشعب والقيادات الحكيمة المستمرة دائما في تاريخ الإمارات، وحتى انتهاز فرصة الاهتمام الإماراتي لكي أُعبر عن الاهتمام المصري بالإمارات أيضاً، وانتهاز الفرصة المُتاحة أمام الشعبين والقيادات من أجل تعزيز كافة التعاون في مختلف المجالات، خاصة أن الفرصة الحالية هي أفضل فرصة في تاريخ الدولتين.
مشروعات إماراتية
من خلال اطلاعك على الدعم الإماراتي الموجه لمصر، ما أبرز المشروعات التي تم الاتفاق عليها؟
هناك مشروعات عديدة، أبرزها بناء 25 صومعة لتخزين القمح، خاصةً أن مشكلة مصر المزمنة دائماً هي استيراد القمح من الخارج.
كما أن هناك مشروعاً آخر لإقامة نفق جنوب بورسعيد للسكك الحديدة والطريق الدولي للسيارات ومشروعين مع وزارة الصحة لتجديد وإحلال وتبديل خطوط إنتاج المصل واللقاح، فضلاً عن المساهمة في بناء 100 ألف وحدة سكنية، ومشروع آخر لإقامة 100 ألف وحدة أخرى، إضافةً إلى مشروعات أخرى خاصة بالعشوائيات عبر مساهمة إماراتية مباشرة، ومشروعات تصب في مجملها إلى تشغيل الشباب المصري، مثل استصلاح مليون فدان لإنتاج القمح. فهناك دفع إماراتي لتوفير ثلاثة ملايين فرصة عمل خلال الأعوام الثلاثة المقبلة.
ولو قارنا بين طبيعة الدعم الغربي والدعم العربي، فكيف ترون الأمر؟
هناك فرق كبير طبعاً. الأوروبيون يكونون مختلفين تماماً، ويتعاملون بالورقة والقلم، لكن الجانب العربي لا يفعل ذلك.
وماذا عن ملف العمالة المصرية في الإمارات؟
لاحظت خلال الاجتماع الذي حضرته مؤخراً أن هناك اهتماما إماراتيا بملف العمالة المصرية. ومن خلال مراجعتي للجالية المصرية هناك، لم أجد أية مشاكل للمصريين بل بالعكس، فالقيادة الإماراتية والسلطات هناك تُعامل المصريين أفضل معاملة، والجالية المصرية في الإمارات مؤثرة وتعمل في مجالات متعددة ومتشعبة.
تنظيم وخلايا
وماذا عن قضية «الخلايا الإخوانية» في الإمارات؟
ما لوحظ في هذا الموضوع أن الملف ترك إلى القضاء الإماراتي ليحسمه. وما علمناه عن هذه الخلايا أنهم يُعاملون أفضل معاملة في السجن وهناك رعاية صحية لهم. ويجب أن نعلم أن الجانب الإماراتي ليس لديه اتجاهات لتوجيه أي تهم غير موجودة.
هل من الممكن أن يستغل التنظيم «الإخواني» الضربات الأمنية القاصمة التي يتعرض لها في مصر ويحاول مُجدداً إيقاظ خلاياه في الخليج؟
لا أعتقد ذلك. «الجماعة» تم حلها، ولا أعتقد أنها ستكون مؤثرة في المرحلة المقبلة، فهناك مسيرات بصورة مستمرة من يوم لآخر، وقد بدأت هذه المسيرات تفقد حتى التعاطف الشعبي، كما أن ما حدث مع المفتي السابق والتطاولات التي حدثت ضد شيخ الأزهر، جعلت «الإخوان» يفرّغون الأرضية التي كانوا يستندون عليها من ذي قبل.
ربيع
اعتبر الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة ان ثورات الربيع العربي كانت «مُغطاة تحت رماد، أي كانت موجودة في نفوس الشعوب العربية التي قامت بهذه الثورات، ولم يكن الهدف منها مجرد قلب أنظمة حكم أو خلافه، إذ كانت تسعى سعياً حثيثاً إلى أن تكون هذه الثورات تعبيرا وتلبية لمطالب شعوب هذه الدول».
العلاقة بواشنطن
قال الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة ان «العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية إن لم تقم العلاقة على أساس من الاحترام المتبادل، وكان هناك تفهم للاحتياج المصري في هذه المرحلة، وإن لم يكن هناك تفهم أن العلاقة المميزة التي استمرت لفترة طويلة يؤدي عدم استمرارها بما يدعم استقرار مصر إلى حالة من الغضب الشعبي. نحن نحاول ضبط العلاقات».
وأردف: «وزير الخارجية نبيل فهمي سافر إلى نيويورك، وتعددت لقاءاته مع ممثلي الكونغرس ورجال الإدارة الأميركية؛ لإعادة توضيح الصورة كاملة لما تم في مصر وما يجري عليه العمل الآن نحو استقرار مصر والمنطقة ككل. وأتوقع أن يتزايد دور مصر في المرحلة المقبلة بالمنطقة، وأن يكون دوراً مؤثراً في منطقة الشرق الأوسط، وإذا لم يراعِ الجانب الأميركي ذلك فهو الخاسر».
علاقات
نحترم الاتفاقات مع إسرائيل
تحدث الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة عن العلاقات المصرية الاسرائيلية، قائلاً: «نحن نحترم الاتفاقيات التي تمت مع الجانب الإسرائيلي، وأعتقد بأنه لا توجد أية مشكلة نعاني منها معهم الآن على صعيد العلاقات البينية».
وأكد أنه «لم تحدث أي تغيرات على طبيعة تعاطي إسرائيل مع المشهد المصري عقب 30 يونيو، خاصةً أن الجانب الإسرائيلي حساس جدًا لما يحدث في مصر، ويُحاول بقدرٍ كبير الابتعاد عن الدخول في هذه اللعبة الخطرة».
وردا على سؤال بشأن هل يعتقد بأنه كان من مصلحة إسرائيل بقاء الرئيس المعزل والقيادي في حركة الإخوان المسلمين محمد مرسي، قال حمودة: «حتى لو لهم مصالح، فالوضع الآن اختلف، فلم تعد الجماعة موجودة في الحكم الآن، وهناك اتفاقات نحترمها، ولا نرجو أن يحدث ما يخدش هذه العلاقات». جهود
تغير في موقف الاتحاد الأوروبي عقب ثورة 30 يونيو
قال الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة، رداً على سؤال بشأن موقف الاتحاد الأوروبي إزاء الوضع في مصر عقب ثورة 30 يونيو: «أشعر أن هناك تغيرات حدثت بالفعل، ففي البداية كان هناك بعض التشكيك والتلميحات بأن ما حدث انقلاب، فقامت وزارة الخارجية بدورٍ مهم في هذا الموضوع؛ من أجل توضيح حقيقة الأمر، وتم استقبال السفراء الأوروبيين المعتمدين لدى مصر عقب 30 يونيو؛ لتوضيح الصورة أمامهم، وكنا في الوزارة نُعطي إليهم الوثائق ونعرض عليهم أفلامًا وثائقية عما حدث في هذه الثورة، وكيف كان الشعب المصري أو أغلبيته مسالمًا، ولم تحدث أي خروقات للقانون، ولم يستخدم الشعب القوة أو أعمال العنف، لكن بعض القوى الأخرى استغلت هذا الظرف وقامت بأعمال تفجيرات وأعمال إرهابية».
وأردف: «نحن كشعبٍ مصري دائمًا شعب مُسالم لا يدخل في خلافات تؤدي إلى نزاعات ثأرية أو شيء من هذا القبيل. لابد أن يراجع الإخوان مواقفهم من الدولة ومن الشعب المصري». حملة
الدبلوماسية المصرية تشهد انتفاضة جديدة
قال الأمين العام لوزارة الخارجية المصرية السفير إيهاب حمودة إن الدبلوماسية المصرية «عاشت فترات صعبة جدًا خلال الفترة الماضية، مرَّ فيها القرار المصري ببعض الأخطاء، لكن مع تغيير نظام الحكم ومع ثورة 30 يونيو، فإن الدبلوماسية شهدت انتعاشة جديدة، كان الهدف منها إبراز أن ما حدث في مصر لم يكن انقلابًا بالمعنى الذي حاولت بعض الدول أن تروج له، ومن ضمن أهداف الدبلوماسية كذلك عقب الثورة، إبراز العلاقات الخليجية-المصرية في مظهر جديد، لم تشهده قبل ذلك، وأخص دور دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية».
وأضاف أن الدبلوماسية المصرية «تشهد اليوم انتفاضة جديدة على المستوى العالمي والعربي كذلك، وهناك وضوح للرؤية المستقبلية، بأن مصر تمد يدها لكل دول العالم من دون استثناء، كما أن مصر تتفهم مطالب الدول التي تُريد الاطمئنان على الوضع الديمقراطي بالقاهرة، لكن في نفس الوقت لا تتفهم التدخل في الشؤون الداخلية ولا تسمح به».

