اعتبر المؤرخ التونسي عميرة علية الصغيّر أن «الإخوان المسلمين في تونس ومصر فشلوا في التعبير عن روح الثورة وفي تحقيق طموحات صانعيها لأنهم لم يكونوا من فاعليها وإنما كانوا متفرجين عليها عبر شاشات التلفزيون وعندما أسقط الثوار رأسي النظام في البلدين هرع الإخوان لاقتسام الغنيمة» موضحاً أن الثورة في تونس وفي مصر صنعها رجال معيّنون واستحوذ عليها غرباء آخرون.
وقال الصغيّر إن «الإخوان لم يكونوا من الثورة ولا من حاملي شعاراتها ولا من مفجّريها لذلك كانت سياساتهم عندما وصلوا الى السلطة غريبة عن روح الثورة والثوار» ففي تونس، لم يكن من بين الشعارات التي رفعها الشباب الثائرون شعار ديني واحد ولم يُذكر اسم واحد من قيادات حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في تونس والشيء ذاته في مصر على حد قوله.
وناقش الصغيّر في حواره مع «البيان» الأوضاع الراهنة في بلاده كما عرج على الوضع في مصر وليبيا فإلى نص الحوار:
كيف ترى الوضع السياسي الحالي في تونس في ظل حكم «النهضة»؟
إنّ الملاحظ العادي وليس حتى المختص او المنتمي سياسيا يحكم دون عناء على أنّ الوضع في تونس حاليّا سيّئ على جميع الأصعدة، فالوضع السياسي ليس أحسن من الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي، فلا أفق واضحا رغم محاولات التمويه التي تعتمدها حركة النهضة ومسرحيات الاستشارات والحوارات الوطنية التي تجريها مع حلفائها خاصة دون نتائج ملموسة بداية من عقدة الدستور الذي لم تنته صياغته بعد رغم مرور عام ونصف العام على انتخاب المجلس التأسيسي.
تشابه كبير
هل يمكن اعتبار «النهضة» جناحا تونسيا لتنظيم الإخوان؟
«النهضة» منذ كانت «حركة الاتجاه الإسلامي» ومنذ العام 1972 نشطت كفرع من فروع تنظيم الإخوان رغم ادعاء منتسبيها انتماءهم للحركة الإصلاحية التونسيّة كما أن سياسات الإخوان في تونس ومصر فيها تشابه كبير رغم الخصوصيات التاريخيّة لكلّ من مصر وتونس.
لماذا حسب رأيك يستهدف الإخوان سيادة الدولة؟
يستهدف الإخوان في تونس وفي مصر الدولة ويعملون على تقويضها واخذ القلعة من الداخل وتقسيم المجتمع إلى إسلاميين وعلمانيين أو مجتمع الإسلام ومجتمع الجاهليّة لأنّ الوصول إلى غاياتهم في بناء دولتهم الإسلامية التي يحلمون بها وفرض نظامهم الاجتماعي الإسلامي كما يعتقدون يمرّ حتما عبر تلك السياسات.
وفي جهدهم للسيطرة على أجهزة الدولة وإعادة تركيبها سواء في تونس أو في مصر أو في أي بلد يحكمونه يعتمدون استراتيجية واحدة ولخصها أحد قادة الإخوان المنشقين وهو: ثروت الخرباوي الذي قال إن الإخوان يعتمدون لبلوغ أهدافهم أربع مراحل:
الأولى: مرحلة نشر الرجال: وتعني التسلّل التدريجي لكلّ هياكل الدولة من قضاء وأمن وإعلام وجيش والسيطرة على مراكز القيادة والرقابة فيها.
الثانية: مرحلة نشر الأفكار وتعني وضع اليد على الإعلام والسيطرة على الإذاعات والقنوات التلفزيونية وإخضاع الصحف والسيطرة على الجوامع والمدارس القرآنية. أما الثالثة فهي مرحلة الاغتيالات السريّة كاغتيالات متفرقة لشخصيات معارضة يقع تحديدها بالذات، وتصفية المثقفين وحرق المباني العمومية والخاصة وتحميل جرمها لمعارضيهم.
أما الرابعة فهي مرحلة الإعدامات بالقانون وذاك بعد تشريع قوانين تسوّغ قتل من يسمّونهم «الكفرة» والعناصر المناوئة للإخوان المسلمين.
إفراغ للاستحقاقات
ضغط الإسلاميون في مصر وتونس وليبيا لتحقيق العزل السياسي ضد كل من انتمى الى الأنظمة السابقة، فما هو هدفهم من ذلك؟
يهدف الإسلاميون في تونس وليبيا ومصر من رفعهم لشعارات «العزل السياسي» أو ما يعرف بـ«تحصين الثورة» إلى إفراغ استحقاق من استحقاقات الثورات في كلّ التاريخ من محتواه وهو تحييد ومحاسبة من وقعت عليهم الثورة ومعاقبتهم من ناحية البروز في مظهر الحاكمين الأوفياء للثورة ومن ناحية ثانية وهو الهدف الحقيقي تحييد منافسيهم السياسيّين من الطبقة السياسيّة السابقة.
لذاك نرى في تونس مثلا من اشترى براءته من رجال الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي من السياسيين أو من رجال الأعمال الفاسدين فمحيت ذنوبه وخرج من قائمة الملاحقة وبقي المتعنتون أو الذين ترى فيهم حركة النهضة رموزا سياسيّة خطيرة عليها في المنافسة السياسيّة المقبلة إن وقعت رهن الملاحقة والحصار والتضييق الدائم.
هذا المنطق الانتهازي ومحسوب الربح والانتقائي يتناقض مع منطق عدالة انتقالية فعليّة تحاسب وتصالح وترتقي بالواقع السياسي لما بعد الثورة.
ما هي الأخطار التي تتهدّد المنطقة العربية بسبب الإخوان المسلمين؟
ما يهدّد في الواقع دول الثورات العربية والدول الأخرى من خطر الأصولية الدينيّة اخوانيّة أو سلفية متشددة هو إجهاض تطلعات الشعوب العربية التي تعرف مسارات ثورية أو دونها، وإجهاض تطلعاتها إلى بناء دول حديثة بكلّ المقاييس السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والوقوف حجر عثرة أمام القوى التحررية لتحقيق السيادة على دولها لما للتيارات الأصولية الدينيّة هذه، خلافا للشعارات المرفوعة المعادية لما يسمّونه بالغرب «الكافر»، من علاقات تبعية وعمالة للدوائر الاستعمارية والصهيونيّة ولقوى الشر والتخلف داخل دولنا في عالمنا العربي.
ولاية الفقيه
قال المؤرخ التونسي عميرة علية الصغيّر إن مشروع الدستور الذي تسعى إلى تمريره حركة النهضة التي تقود الائتلاف الحاكم في تونس لو مرّ سوف يحكم التونسيّون بـ«ولاية الفقيه» وسيحكمون بـ«إسلام إخواني» وسوف ينقلبون على كل مكاسب المجتمع التونسي إضافة إلى ما سيحدثون من تغييرات جوهرية على نظام المجتمع.
وأضاف نحن أمام خطر حقيقي لو مرّروا دستورهم هذا فسوف يرسون دكتاتورية الجهل والفقر والعقد، وهكذا يبدو الأفق السياسي في تونس منسدّا بما أنّ الدستور الذي سيبنى عليه مستقبل البلاد هو بهذه العاهات.
