يقول القيادي في الحزب الجمهوري التونسي وفي تحالف الاتحاد من أجل تونس د. ناجي جلّول إن وصول تنظيم الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر وليبيا أطفأ شعلة الثورات العربية، معتبرا أن الشقّ المدني لحركة النهضة الحاكمة في تونس «ليس إلاّ واجهة تجميليّة لوجه إخواني موحّد»، ومحذرا في الوقت ذاته من أن شبح ما وصفها بـ«الديكتاتورية الدينية» يهدد تونس، كما تهددها حرب العصابات.
وأوضح جلول، وهو باحث أكاديمي في الجماعات الإسلامية وأستاذ التاريخ والآثار الإسلامية في جامعة منوبة، في حديث خاص لـ«البيان» أن «مشروع الإخوان المسلمين الشعبوي انتهى قبل أن يكتب له النجاح لأنّه مشروع يقفز على الواقع والتاريخ ولا يعترف بالمكان والزّمان»، مستدركا «غير أن رحيلهم سيكون عسيرا وشاقّا، وسيؤدي حتما إلى انقسامهم إلى جماعات وطوائف متناحرة غير قادرة على الوصول إلى السلطة من جديد».
وفي ما يلي تفاصيل الحوار بين «البيان» وجلّول، والذي تركّز على الوضع في بلاده والمنطقة بعد قفز جماعة الإخوان على السلطة فيها.
بوصفك قياديّا في الحزب الجمهوري، كيف تقرأ تراجع حركة النهضة على التفاهمات حول النقاط المختلف عليها في مشروع الدّستور؟
بصراحة أصبح جزء هام من النخبة التونسيّة يعتبر النهضاويين أناسا لا عهد لهم ولا ميثاق، بعد تنكّر الحركة لتوافقات الحوار الوطني حول الحقّ النقابيّ وحريّة الضّمير، وإخلالها بالعهود التي أخذتها على نفسها خلال مفاوضات طويلة وعسيرة حول مسائل دستوريّة جوهريّة.
بعد موجة الانتقادات التي أثارها هذا التراجع الذي نسب إلى الكتلة النيابيّة النهضاويّة، نرى رئيس حركة النهضة راشد الغنّوشي يقدّم التنازلات من جديد ويطالب بالعودة إلى طاولة الحوار. لكن كيف وهو الذي عوّدنا بنكثه للعهود والتنصّل من تعهداته السياسية والأخلاقيّة؟!
لا انتخابات قبل 2014
هل تعتقد أنّ تونس ستشهد انتخابات في أواخر العام الجاري أمْ أن حركة النهضة تحاول تأجيلها عبر اختلاق حجرات عثرة أمام الانتقال الديمقراطي؟
يبدو أن الرئيس المؤقّت منصف المرزوقي كان على علم بالنّوايا الخفيّة لحركة النهضة عندما أكّد إثر انتخابات 23 أكتوبر2011 أن المجلس التأسيسي يحتاج إلى ثلاث سنوات لإنجاز مهامّه. كما صرّح بتاريخ 25 مايو 2013 «بأنّنا في مسار لا نعرف إلى أين يؤدي هل سينجح أم يؤدي إلى الفوضى والديكتاتوريّة».
إن شبح الديكتاتورية الدينيّة بات يهدّدنا حقّاً، ففي كلّ يوم تزداد الأجندة السياسية لـ «الانتقال الديمقراطي» ضبابيّة نتيجة لتعدّد المواعيد الانتخابيّة، وآخرها ما التزم به رئيس الحكومة المؤقّتة علي العريض في خطاب منح الثقة لحكومته بأن نهاية العام الجاري سيكون تاريخا لإنهاء الفترة الانتقالية.
ووعد العريض أحزاب المعارضة قبل تشكيل حكومته بالنظر في التعيينات الحزبيّة التي شملت الإدارة والوظيفة العموميّة، ولكنّنا لم نر شيئا إلى اليوم. كل هذه المؤشّرات، إضافة إلى انعدام الهيئات الانتخابيّة والقانونيّة، تدفعنا إلى الجزم باستحالة إجراء انتخابات قبل 2014.
حرب العصابات قادمة
كيف تقرأ الوضع الأمني في البلاد، وهل تخشى من تحوّل التهديدات والخطاب التكفيري إلى ممارسات إرهابيّة فعليّة كالتفجيرات مثلاً؟
السلفيّة الجهاديّة، التي نجح سيف الله بن حسين (أبوعياض) في لمّ شملها ودمجها في تنظيم محكم، بدأت تنتشر في المناطق المهمّشة وأحزمة البؤس المحيطة بالمدن الكبرى. وقد ساهمت الحكومة الحاليّة في انتشارها بسكوتها عن خرق الجهاديين للقانون وتبريرها لاعتداءاتهم المتكرّرة على المثقّفين والمبدعين. وغدت حركة النهضة مثل الأب الذي لم يعلّم ابنه جيدا كيف يلتزم بالحدود.
شخصيا، أخشى أن ينقلب الابن على والده، وعندئذ لن ينجو الأب ولا الابن ولا البيت. ذلك أن السلفيّة الجهاديّة دخلت مرحلة الإرهاب المنظّم. كما أن تداخل شبكات التهريب والشبكات الإرهابيّة وامتداداتها في ليبيا ومالي وعموم منطقة الصحراء الكبرى وسوريا والعراق أصبح يمكّن هذه الجماعات من التزوّد بالأسلحة والمتفجّرات.
إن مرحلة حرب العصابات الحضريّة قادمة بدون شك، ويجب التأهّب لها.
السيناريو الجزائري
هنالك من لا يخفي قلقه من تكرار السيناريو الجزائري في تونس، فهل تعتقد أن هناك ما يبرّر ذلك؟
النهضة تحظى بعدد هام من الأتباع، ولكن لها خصوم كثر داخل المجتمع ذاته، لأنّ مشروعها لا يكتفي بالسياسة بل يهدف إلى تغيير طبيعة المجتمع، ما خلق أزمة عميقة بينها وبين المجتمع التونسي، وهو ما عقّد قضيّة التغيير بل أعاقه، ولذا فإن رهان النموذج التونسي هو ألا ينتهي إلى سيناريو إيراني أو جزائري.
في الحالة الأولى يتحوّل الاستبداد إلى شكل ديني، وفي الحالة الثانية يجهض التغيير باسم الإنقاذ من التطرّف والفوضى، خاصّة وأن تونس غدت أرض عبور للأسلحة، ثم إن النهضة تريد جرّ الجميع إلى التنازل وليس لديها أيّة نيّة حقيقية للتخلّي عن المشروع الاخواني الذي صيغ منذ بدايات القرن الماضي خارج هذه التربة.
علاقة أنصار الشريعة بالنهضة
باعتبارك مختصّاً في دراسة الجماعات الإسلاميّة، هل ترى علاقة فكريّة وتنظيميّة بين أنصار الشريعة والجناح المتشدّد داخل النهضة؟
توجد علاقة فكريّة حميمة بين الجهاز الخاصّ لحركة النهضة وأطروحات أنصار الشريعة، وإلى هذا الجهاز تعهد القرارات المصيريّة مثل إصدار النصوص المرجعيّة كـ«ميثاق» الحركة المسماة بـ «الرؤية الفكريّة والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي»، التي أقرّها المؤتمر العام للحزب في ديسمبر 1986 وجدّد التمسّك بها مؤتمرّ 2007. وفي اجتماع في مايو الماضي، صرّح راشد الغنّوشي بأنّه لم يتخلّ عن المشروع الاخواني المؤسس على أمل قيام الدّولة الدينيّة.
وكيف يمكن تحديد جسور التواصل بينهما؟
تمرّ علاقات النهضة مع الجماعات التكفيريّة عبر الجناح العقائدي في الحركة، الذي يقوده صادق شورو والحبيب اللّوز، اللذان يملكان نفوذا واسعا في أواسط القاعدة النهضويّة السلفية المشتركة وتتماهى مواقفها تماما مع مقاربات أنصار الشريعة لطبيعة الحكم وشكل الدولة والمجتمع.
ويمكنني القول إن الخلافات بين الشّق السلفي والشق «المدني» في النهضة ليست بالعمق الذي يتصوّره البعض، وما الشقّ المدني إلاّ واجهة تجميليّة لوجه إخواني موحّد لم تعد مساحيق الدّنيا قادرة على محو ترهلاته وتجاعيده، ولا يعدو أن يكون سوى تقسيم أدوار واستعراض مسرحي بين أعضاء ينضبطون في النهاية لعقل متحكّم، أي راشد الغنّوشي.
جزء من مشروع عالمي
هل نستطيع القول إن تونس حاليا صارت جزءا من مشروع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين؟
الكل يعرف أن الجماعة الإسلاميّة في تونس (النهضة حاليا) انضمّت باكرا إلى «التنظيم العالمي للإخوان المسلمين»، وتعامل مؤسسوها مع «الاخوان» في مصر من موقع الاستهلاك، وقد شكّلت كتابات سيد قطب وشقيقه محمد قطب وغيرهم مادّة أساسيّة في تكوين الجيل الأوّل من المنتمين إلى الحركة الاسلاميّة التونسيّة.
كما أن وجود شكلين للتنظيم إلى اليوم داخل الحركة: سرّي (الجهاز الخاصّ المرتبط بالغنّوشي) وعلني (الحزب) يهدف إلى إخفاء الطابع الاخواني للحركة وارتباطاتها الاقليميّة.
إن تشابه سيناريوهات وصول الإخوان إلى السلطة في كلّ من تونس ومصر وليبيا وارتباطهم بالأحداث في مناطق أخرى، ومحاولات التدخّل في دول الخليج العربي وفي الجزائر، وكذلك الكيفيات السياسيّة التي تجري بها اليوم محاولة «أخونة» الدولة والمجتمع في هذه البلدان، كلّ ذلك يعكس وجود خيط رابط بينها في علاقة مع ترتيبات إقليمية ودوليّة بدأت معالمها تبرز بوضوح لكل من يتابع الوضع الإقليمي.
فشل الإخوان
فشل الأحزاب الإسلاميّة في تونس ومصر هل يعني نهاية المشروع الإخواني، أم أنّه سيزيد من عناد وتعنّت هذه الأحزاب؟
إن وصول الاخوان إلى السلطة في مصر وتونس أدى إلى انطفاء شعلة الثورات العربيّة، فخفتت في المنطقة الأصوات الرّاغبة في التغيير بعد أن شاهدت اخفاقات أبناء حسن البنّا وتزعمهم للثورة المضادة.
أصبحنا عندما نتجوّل في مدن مصر وتونس لا نرى في عيون الناس سوى القلق والخوف والغضب وإحساس رهيب بالضياع في متاهة أحسن محترفو الدجلّ السياسي بناءها.
إن مشروع الإخوان الشعبوي قد انتهى قبل أن يكتب له النجاح، لأنّه مشروع يقفز على الواقع والتاريخ ولا يعترف بالمكان والزّمان، ولكن رحيلهم سيكون عسيرا وشاقّا، وسيؤدي حتما إلى انقسامهم إلى جماعات وطوائف متناحرة غير قادرة على الوصول إلى السلطة من جديد لأن الثورة رفعت الغطاء عن الثورة المضادّة.
حضور سلفي
يقول القيادي في الحزب الجمهوري التونسي د. ناجي جلّول إن جماعة أنصار الشريعة تمكنت من تجنيد أعداد هامّة من شباب الأحياء المحرومة، ما جعل قاعدتها تتكوّن أساسا من شبان تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة عادة ما يكون مستواهم التعليمي متدنياً، وينحدرون من أحزمة المراكز الحضرية الكبرى والتجمّعات السكنيّة المهمّشة، وقد استغلّت ضعف الدولة ومؤسساتها للتغلّغل في الأحياء وغزو المساجد.
داعيا الى مجابهة هذا التنامي من خلال تحييد المساجد ومنع الخيام الدعويّة ذات المنحى الجهادي، وفرض سلطة القانون بصرامة ومراقبة تمويلات هذه الجماعات خاصّة الخارجية منها لارتباط بعضها بتبييض الأموال وسياسات بعض الدّول.
