في محاولة لقراءة مواقف متباينة من داخل صفوف السلطة القضائية في مصر إزاء الأزمة الراهنة مع مؤسسة الرئاسة، أجرت «البيان» مواجهة بين رئيس نادي القضاة السابق المستشار زكريا عبدالعزيز ووكيل النادي الحالي المستشار عبدالله فتحي، واتفق الاثنان في أنهما يريدان تحقيق السلطة القضائية، لكنّهما اختلفا في تشخيص الداء وآلية علاجه.

وفي حين شنّ عبدالعزيز هجوما لاذعا على رؤساء الهيئات القضائية الحاليين متهما إياهم بأنهم «أصحاب مصالح»، ولا يمتلكون أي فكر سياسي.. رد عليه فتحي بالتأكيد أن القضاة «يدافعون عن مصر بكل ما لديهم من قوة» وأنهم نادوا من قبل بتعديل قانون السلطة القضائية لكن دون أن يأتي ذلك لخدمة فصيل أو تيار سياسي. وفي ما يلي تفاصيل رأي الرئيس السابق لنادي القضاة مع «البيان»:

في البداية، كيف ترى حجم المشكلة الحالية بين القضاة و«الإخوان» وسبل حلها؟

في تقديري، أن الإشكالية الحالية نابعة في الأساس بسبب كون رؤساء الهيئات القضائية، «رؤساء وأصحاب مصلحة»، وليس لديهم أية رؤية سياسية، كما أنهم يفتقدون رؤى الإصلاح بوجه عام.. هم أشخاص اقتربوا من سن الـ 70 عاماً، ولم يتبق لهم سوى بضع شهور للخروج على المعاش، ويُحاولون حالياً «إثارة البلبلة والجدل»، وإحداث صخب على المشهد السياسي، في مرحلة حرجة للغاية.

ومن المنوط به الدفاع عن حقوق القضاة إذاً؟

من يدافع عن القضاء وعن التغيير ومن يسعى للإصلاح لابد أن يكون هم أنفسهم من قاموا بالثورة.. ولو لم يكن هناك أصحاب مصالح على المشهد المصري وداخل الهيئات القضائية على وجه الخصوص لكانت أهداف الثورة تحققت، أو على أقل تقدير لكنا بدأنا في تحقيقها.

وفي رأيي، فإن التغيير الثوري لن يكون إلا من خلال شباب الثورة أنفسهم، بينما هؤلاء المُسيطرون على معظم الهيئات اقتربوا من عامهم السبعين، ويريدون البقاء في مناصبهم من أجل مصالحهم الشخصية.

لغة المصالح

وما تلك المصالح التي تتحدث عنها؟

يريدون الظهور على الساحة دائماً، كما أنهم يستفيدون مادياً، كما يستفيدون بجملة من السفريات والزيارات الخارجية، مثلما فعلت من ذي قبل اللجنة المخولة للإشراف على انتخابات الرئاسة السابقة، حين سافرت إلى جنوب إفريقيا «بلا داعٍ بحجة الاطلاع على تجربتها».

وهل تعتقد أن توجه النظام وجماعة الإخوان سليم في مواجهتهم مع القضاء؟

قطعاً لا، دعنا نتفق أن مطلب إصلاح القضاء هو في الأساس مطلب ثوري نادت به ثورة 25 يناير، لكن آلية إصلاح المؤسسة القضائية خطأ، فالرئيس تعامل مع الأزمة مثل تعامل «الجرّاح الفاشل»، فبدلاً من أن يُعالج المرض داخل القضاء راح يحاول إجراء عملية استئصال، في وقتٍ لا يسمح بذلك أبداً، وفي ظل حالة توتر على كافة المستويات في البلد.

 وكنت أتمنى أن يقوم الرئيس أول ما يقوم بأن يدعو كل الهيئات في كل مؤسسات الدولة ويطلب منهم مقترحاً بآليات إصلاح هيئاتهم، ويكون لدينا رؤية حقيقية للإصلاح يتشارك فيها الجميع، لكن بشكل عام، مصر ليست بحاجة إلى رجل يصلي ويصوم، لكنها بحاجة إلى رئيس مُصلح يمتلك الأدوات والرؤية السياسية.

إذاً نحن أمام مُعادلة طرفاها مُخطئان.. فما الحل؟

حل الأزمة القضائية في تقديري هو أن تخرج رؤية مُكتملة الأركان من داخل مؤسسة القضاء نفسها، يتشارك فيها الجميع بما فيهم الشباب، لكن ذلك للأسف لن يحدث لأنهم لا يريدون سوى «التظاهرات والاستمرار في مناصبهم»، والدليل أنهم رفضوا تخفيض سن القضاة.

وفي رأيي أن تخفيض سن القضاة إجراء موفق لكن دون عشوائية في التنفيذ، كما أنه ليس الآلية الوحيدة لإصلاح المنظومة القضائية، إذ يجب أيضاً أن يتم «بناء المؤسسة من جديد».. ولنعلم أنه بدون إصلاح القضاء، فإن أحوال مصر كلها لن تنصلح أبداً.. نحن بحاجة إلى من يُصلح.

عمليات تشويه

ومن تراه الآن مُخولاً للإصلاح خاصة أن الجميع تعرض لعمليات تشويه؟

بالفعل، الكل تعرض لعمليات تشويه، وهناك حالة من التربص.. وكنت أتصور أن الرئيس محمد مرسي سينجح في احتواء الأزمة ويتعامل معها بصورة جيدة عن ذلك، لكنه أسهم في زيادة الاضطراب.. فنقاط إصلاح القضاء واضحة تماماً، لكن النظام الحالي فضّل أن يُجري عملية استئصال و«فتح الجرح» وليس مُعالجته، في أيام ينتشر فيها الاحتقان السياسي.

وما رأيك في الفعاليات المطالبة بـ«تطهير القضاء»؟

سيّروا تظاهرات ضد القضاء وضد السلطة القضائية بوجه عام، فبدوا وكأنهم مُتظاهرون ضد أنفسهم، وخاصة أنهم الحُكّام الآن، وهم الذين يُمثلون النظام.

الرأي المقابل

وفي موازاة ذلك، نافح وكيل نادي القضاة الحالي المستشار عبدالله فتحي عن دورهم في هذه السطور:

هل تعتقد أن «الإخوان» سيتوقفون عن مساعيهم لـ«أخونة القضاء»؟

القضاة ليس لهم مُطالب، نحن ندافع عن قضية بلد بأكملها، ولو نجحنا في التصدي الآن لمساعي جماعة الإخوان المسلمين من أجل وقف «أخونة المؤسسة القضائية» فإن الجماعة ستُعاود الكرة مُجدداً، وستُحاول أن تصطدم بالقضاء مرة أخرى، حتى لو سحبت القانون الحالي، وفي هذه الحالة فإن القضاة سيواصلون مواقفهم أيضاً، ولن يسمحوا للجماعة بأي شكل من الأشكال أن تُنفذ مساعيها.

وما المواد التي دفعتكم لرفض قانون السلطة القضائية؟

القانون باطل في الأساس، هم يُحاولون من خلاله التمهيد لأخونة القضاء، وذلك من خلال مساعيهم نحو تخفيض سن المعاش، ما يعني خروج آلاف من شيوخ القضاة وعدم استمرارهم في مزاولة أعمالهم، ليزجوا بعد ذلك بأنصارهم بدلاً منهم، من أجل أخونة المؤسسة القضائية، والتي تُعد من أهم وأبرز المؤسسات، والتي تحفظ أمن وسلامة المواطن وثقته بالدولة في الأساس.

مطالب التطهير

وكيف ترى مطالب الجماعة بـ«تطهير القضاء» خاصة أنه مطلب ثوري؟

نحن جميعاً نريد الإصلاح، والقضاة جميعهم نادوا بتعديل قانون السلطة القضائية، بما يتماشى ويخدم القضاة وليس بما يتماشى وأهواء جماعة بعينها.

ولفظ التطهير مرفوض، فمما يتم تطهير القضاء؟ وقد حكم ذلك القضاء لهم طوال التاريخ بأحكام تاريخية، فالقضاء حلّ الحزب الوطني وانتصر لأحزاب مثل حزب «الوسط» وسمح بتأسيسه بعد أعوام ظل فيها مرفوضاً من لجنة تأسيس الأحزاب، وكانت له مواقف قوية وصارمة.

ونحن نرفض بكل حال من الأحوال أن يكون القضاء دُمية في يد أي فصيل سياسي، وبالتالي نرفض مساعي الإخوان لأخونته.

البعض وصفكم بأنكم «أصحاب مصالح».. كيف ترد؟

أي مصلحة لنا؟!.. نحن أصحاب قضية نحن نُحارب وأيدينا في «عش الدبابير» من أجل استقلال القضاء عن أي حزب أو فصيل سياسي أيا ما كان، وذلك هدفنا الرئيسي والأوحد الآن في ظل مساعي جماعة الإخوان لتشويه صورة القضاة..

لسنا أصحاب مصالح، فأصحاب المصالح هم الساعون للتخريب ولهدم السلطة القضائية، نحن ندفع اعتداء وقع علينا ونرد كيدهم ضد الوطن.. القول بأننا أصحاب مصالح هو محاولة من جماعة الإخوان وأنصارها لتكريس ذلك الأمر في الشارع من أجل أن يتمكنوا من السيطرة على القضاء ويبررون محاولاتهم تلك.

موقف الرئاسة

وكيف تُقيم موقف مُرسي من القضاة؟

الرئيس مُرسي ينتهك سيادة القانون وينتهك أحكام القضاء، وهو مُنفذ لأجندات جماعة ولا ينفصل عنها مُطلقاً، وذلك كله يأتي في نطاق إساءات وإهانات بالجملة يتعرض لها القضاء وخاصة خلال الفترة الأخيرة، وتزامناً مع تلك التظاهرات التي أطلقتها جماعة الإخوان وسمّتها «تطهير القضاء»، وبالتالي فإن غضب القضاة والتحالف الشعبي مع القضاء وتضامنهم الكامل مع تلك المؤسسة العريقة كل ذلك يؤكد على أن مرسي وجماعته سيفشلان فشلاً ذريعاً في تنفيذ مُخططاتهم.

القضاة ليس لديهم مطالب، لكنهم يتحدثون باسم الشارع الذي يرفض الأخونة، ويرفض الإساءة للقضاء. نحن أول من طالب بتعديل قانون السلطة القضائية لكن على نحو يخدم البلد وليس على نحو انتقامي من قضاة مصر لخدمة جماعة أو فصيل بعينه.

 

معركة الرئاسة والقضاء.. وقودها النفس الأطول

رغم مساعي الرئاسة المصرية في بث الطمأنينة في صفوف القضاة ورجل الشارع إزاء أزمتها مع القضاة، إلا أن بعض المحللين يرون أن الأزمة ستسمر، وهي عبارة عن سباق لـ«النفس الأطول»، خاصة أن جماعة الإخوان المسلمين عازمة على استكمال مشروع «الأخونة» بينما يصر القضاة على رفع شعار الاستقلال.

وتزامناً مع مساعي مؤسسة الرئاسة لتدارك تبعات الصدام الحادث الآن مع المؤسسة القضائية وجماعة الإخوان المسلمين، يرى مراقبون ومُحللون أن الأزمة الحالية لن تُحل حتى مع مُحاولات البعض لتسكينها من خلال مُحاولات للتهدئة التي هي في حقيقة الأمر «مجرد مُسكنات» ترجئ الصدام بين الطرفين، وبالتالي فحل الأزمة لن يكون إلا بنهاية حكم «الإخوان» سواء من خلال التضييق عليهم عبر الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، وخاصة أن القضاة عازمون ومعهم جموع المعارضة على عدم المساس بالسلطة القضائية، وكذلك إفشال مُحاولات الإخوان للتمكين منها.

في البداية، يشير سكرتير عام مساعد نادي القضاة المستشار علاء قنديل إلى أنه لا يستطيع التنبؤ أو الحكم على أجندات جماعة الإخوان المسلمين خلال الفترة المقبلة وحال ما إن تم تدارك الأزمة الراهنة، وما إن كانوا سيُكملون مشروعهم الهادف لأخونة القضاء من عدمه، مؤكداً في تصريحات خاصة لـ«البيان» أن الأمر الواضح الآن أن قضاة مصر لن يسمحوا للإخوان بتنفيذ أجنداتهم، وأنهم سيُكملون مسيرتهم نحو رفض ذلك الأمر، ورفض أن يقع القضاء تحت سيطرة فصيل سياسي بعينه.

غل يد القضاة

ومن جانبه، يقول نائب رئيس حزب الوفد، أعرق الأحزاب الليبرالية المصرية، أحمد عز العرب، إن جماعة الإخوان المسلمين تسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى أن تغُل يد القضاء بصفة عامة، ضمن مساعيها من أجل أخونته، مؤكداً أن الأزمة بين القضاة والإخوان سينتصر فيها القضاء، وسيؤدي ذلك كله إلى إسقاط حكم الإخوان، والذين فشلوا عملياً في إدارة البلد، وإخراجه من النفق المظلم الحالي.

ويردف القول إن الجماعة استخدمت «ترزية القوانين» من أجل وضع قانون للسلطة القضائية يضمن لهم استئصال شيوخ القضاة، ليحل بدلاً منهم عناصر إخوانية، تمهيداً لأخونة تلك المؤسسة العريقة، مؤكداً في السياق ذاته على كون جملة المواد التي ظهرت في القانون هي دليل على مُحاولات الإخوان لهدم المؤسسة القضائية تنفيذاً لأجنداتهم.

وأيّده البرلماني السابق القيادي في حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أبوالعز الحريري، مؤكداً أن جماعة الإخوان هي جماعة «ظلامية» تسعى إلى فرض هيمنتها وديكتاتوريتها على مختلف مؤسسات الدولة، نافياً إمكانية أن يصمت الشارع ويرضخ للأمر الواقع، خاصة أن كل مقومات الثورة متواجدة حالياً، وبالتالي فإن الشارع يتحسس سبيله نحو الثورة على حكم الإخوان، ومن ثم إسقاطهم.

مشكلة عميقة

وفي السياق ذاته، يرى رئيس مجلس الدولة الأسبق المستشار محمد حامد الجمل أن المسألة أعمق من كونها حالة صدام بين مؤسسة القضاء وأحد فصائل الإسلام السياسي ومؤسسة الرئاسة، فالأمر يتعلق في الأساس بمصير البلد كله، ومشكلة المصريين جميعاً، مؤكداً أن الجماعة تسعى ليس فقط لأخونة المؤسسة القضائية، لكنها تعمل الشيء نفسه مع باقي المؤسسات الحساسة، وعلى رأسها المؤسسة الإعلامية والمؤسسة العسكرية.

ويردف القول إن الوضع الآن «مُقلق للغاية»، خاصة أن كل «المُسكنات الموضعية» للأزمة لا تفيد في حل الإشكالية مُطلقاً، لكنها تعمل على تهدئتها فقط، فهناك أزمة حقيقة متجذرة في الشارع، تتعلق في المقام الأول والأخير بفلسفة الإخوان المسلمين في المشهد السياسي، ورغبتهم في السيطرة والتمكين، وبالتالي فإن تلك الإشكالية سوف تلازم المشهد إلى أن يحدث تغيير في النظام الحاكم، سواء من خلال الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية.

 

اتهام

 

اتهم رئيس محكمة جنايات القاهرة المستشار أمير رمزي رئيس بلاده محمّد مرسي «بمُحاولة تكميم أفواه القضاة» وخداعهم.

وأكد رمزي أن مرسي مُطالب بأن يسعى للتهدئة بشكل عملي، من خلال خطوات عملية وواضحة في هذا الصدد.

 

مخططات

رأى وكيل نادي القضاة الحالي المستشار عبدالله فتحي أن تضامن كثير من القوى السياسية مع القضاة «يمثل لنا تأكيداً على كوننا على الطريق السليم»، في مواجهة مُخططات الجماعة، كما يُعطينا الثقة في الاستمرار في ذلك الطريق الشائك، وسوف ننجح فيما نسعى إليه، لأن الشارع معنا ضد الجماعة وأجنداتها المختلفة.