حذّر وزير الخارجية المصري السابق د. محمد العرابي من الانسياق وراء مخططات تهدف إلى تقسيم المنطقة وإشعال حروب طائفية، مشيراً في الوقت ذاته إلى ان العلاقات المصرية- الخليجية أصابها وهنٌ وضعف خلال الفترة الأخيرة، ومؤكداً على أن ملامح السياسية الخارجية المصرية لم تتضح بعد وهي مازالت مُضطربة وغير مستقرة في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها الساحة الداخلية بمصر..
موضحاً في السياق ذاته ان دول الربيع العربي تواجه جملة من المشكلات والمصاعب المشتركة أبرزها حالة التوتر والاضطراب الحالية، فضلا عن المشكلات الداخلية العاصفة والانكفاء على الداخل.
وتحدث العرابي في حوار مع «البيان» باستفاضة عن الوضع في العراق والعلاقات المصرية مع دول الجوار الخليجي والأزمة الفلسطينية وزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما للمنطقة وأهدافها الحقيقية، كما تطرق أيضاً للحديث عن الوضع السياسي المصري الراهن من الناحية الداخلية ومستقبله.. وإلى نص الحوار:
بداية، كيف تُقيمون السياسة الخارجية المصرية في ظل التطورات التي تشهدها مصر؟
أي رسالة خارجية لأي دولة تكون نابعة من الأوضاع الداخلية الخارجة منها وحالياً الأوضاع الداخلية لا تساعد على أن يكون لدينا سياسة خارجية مستقرة وثابتة؛ لأن الرسالة التي تحملها للعالم الخارجي لم تصل لدرجة الوضوح والاستقرار، وبالتالي سياستنا الخارجية انعكس عليها القلق الداخلي في مصر وهو ما ينعكس على محددات السياسة الخارجية في الفترة المقبلة.. سياستنا الخارجية لا تزال غير واضحة المعالم غير مستقرة ولا تحمل رسالة واضحة وقوية للآخرين، وهي مجرد إدارة لتحرك خارجي أكثر منه توجه استراتيجي.
وهل هذا ينعكس على العلاقات المصرية- الخليجية؟
من المؤكد ينعكس، والعلاقات المصرية - الخليجية أصابها وهنٌ في الفترة الماضية.. ويمكن أن تكون العلاقات المصرية- القطرية على وجه التحديد لها شكل خاص، لكن بوجه عام العلاقات المصرية الخليجية أتمنى أن تستعيد الحيوية التي كانت في الفترة الماضية.
الربيع العربي
وكيف تقيم الوضع في دول الربيع العربي تونس ومصر وليبيا الآن عقب مرور عامين على الثورات؟
الاضطراب والمشاكل الداخلية والانكفاء على الداخل وعدم الإحساس بخطورة هذا على سياستهم الخارجية، وما يعانون منه، هي نفس الأعراض المرضية الموجودة.. للأسف الاضطراب الداخلي يؤثر في التوجه الخارجي الذي يحمل رسالة قوية للآخرين بما يدعم فكرة التعاون وفكرة الشراكة وفكرة التعاون في التنمية وهذه الأفكار للأسف- تتحطم أمام صخرة الاضطراب الداخلي.
غزو العراق
كيف تنظر للعراق في ذكرى مرور 10 سنوات على الاحتلال الأنجلو-أميركي؟
زرت العراق الشقيق سنة 1978 وزرته مرة ثانية في منذ أيام قليلة.. خرجت في الشوارع لم أجد العراق وحزنت.. أصبحت جنودًا مدججين بالسلاح ومصفحات! لكن أين العراق وشعب العراق أنا لم أره؟!.. وهذا ليس العراق الذي نعرفه أو نريده، فنحن نريد عراقاً قوياً.. عراق الحضارة والثقافة والفن.. للأسف دخلنا في خضم مشكلات يبدو أننا تم توريطنا فيها بشكل ما بحيث تبقى هذه المنطقة مشغولة دائماً بشؤونها الداخلية بعيداً عن فكرة التنمية وكل مواردها تصرف على السلاح والمدرعات. يجب أن ننتبه لأنفسنا ونزيل تلك الغفوة بسرعة، والعراق لديه بشر وموارد وهي إمكانيات كبيرة؛ البشر رصيدهم الأكبر أعتقد أنه حان وقت الانطلاق.
مخطط طائفي
وهل ترى أن الحرب في سوريا نواة لحرب طائفية بعد دخول لبنان والعراق وتركيا والأردن خط النار؟
هذا هو المخطط لنا وللمنطقة أن ندخل في عملية تقسيم وحروب طائفية بين شيعة وسنة وخلافه.. يبدو أننا نساق إلى طريق ما دون أن نشعر لذا يجب أن نستيقظ ويكون لدينا إحساس بمستقبلنا أكثر.
وكيف ترى زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما المرتقبة إلى المنطقة في عملية الصراع العربي- الإسرائيلي؟
حل الصراع العربي الإسرائيلي لن يحدث في هذه الزيارة، لكن قد يكون هناك عملية تحريك لدفع عملية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. لكن أرى في أوباما في الفترة الثانية أكثر جرأة وإقداما لوضع حلول فاعلة للقضية الفلسطينية، كما أرى أن الوضع في المنطقة يحكم الأمور بشكل آخر، لذا لابد دائما أن نفكر في هذا.
إسرائيل في أفضل وضع استراتيجي لها منذ إنشائها. مصر منكفئة على الداخل وسوريا انتهى جيشها والعراق كذلك .. لا يوجد أي شيء يشكل توازناً استراتيجياً أمام إسرائيل فكل القوى انتهت للأسف وإسرائيل في أفضل وضع استراتيجي لها منذ إنشائها.
إن موضوع القضية الفلسطينية تراجع منذ ثورات الربيع العربي، واعتقد أن أميركا قد يكون لديها أفكار جديدة تقدمها لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن لا أعتقد أن الطرف الإسرائيلي مقبل بشكل جدي على تلك الأفكار، لذا لا داعي أن نرفع سقف التوقعات.
مرض مصر
وكيف تقيم الوضع الداخلي في مصر؟
مصر مريضة ومنقسمة في حالة لم تشهدها من قبل وأتمنى أن نفيق قبل فوات الأوان.. لما أتيت بغداد ورأيت الوضع الغريب بها فقد أصبحت دولة أمنية قائمة على الأمن وكل مواردها للأمن لا توجد أي مشاريع أو تنمية .. أتمنى أن لا تصل مصر لهذا الوضع. يجب أن ننحي الخلافات السياسية جانباً ونبدأ في التفكير في الاقتصاد والتنمية للشعب المصري. الشعب يعاني وسيظل يعاني ما دامت الأمور حتى الآن لا يوجد أي شيء مبشر اقتصادياً.
الأزمة السورية لن تُحل إلا سياسياً
الأزمة السورية لها طابع خاص ولن تحل إلا بشكل سياسي ويجب أن يكون هناك مرحلة انتقالية سياسية يتم تسليم السلطة فيها إلى آخرين، ولكن عملية القتل والاقتتال الموجودة لن تؤدي إلى شيء ولن تحل شيئًا.
يجب على الرئيس الحالي بشار الأسد، أن يتفهم أسلوب الانتقال السلمي للسلطة بهذا الشكل الذي ينادي به الجميع الآن.
أما إجراءات الجامعة العربية بقبول تمثيل المعارضة السورية كبديل للنظام، فأعتقد أنها إجراءات جيدة وأؤكد أنها مهمة، لكن في نفس الوقت أرى انه لا يجوز تقسيم هذا الأمر بتلك الكيفية، فلابد أن يصاحب تلك العملية عملية سياسية على الأرض في سوريا يكون فيها الرئيس الأسد ليس شرطًا بنفسه ولكن من يمثله؛ لبحث إجراءات تسليم السلطة مع المعارضة بطريقة سلمية.
طريقة بتر النظام السابق بهذا الشكل لن تحدث وستؤدي إلى زيادة في الاقتتال ونزيف الدم في سوريا، لذا أرى أن قرار الجامعة جيد جداً ولكن أن يتوفر معه بالتوازي عملية سياسية سلمية منظمة على الأرض في سوريا من أجل الانتقال السلمي للسلطة لمن يختاره الشعب السوري في تلك المفاوضات.
