على الرغم من أن الدستور الحالي لدولة جنوب السودان لا يميز على أساس ديني أو عرقي، إلا أن المسلمين في هذه الدولة الوليدة يعانون من تهميش سياسي حيث لا يوجد أي مسؤول مسلم في الحكومة مع أنهم يشكلون نسبة معتبرة بين سكان جنوب السودان. لذا، تصاعدت المطالب لحكومة جنوب السودان بإشراك المسلمين في السلطة وإدارة الدولة وعدم هضم حقوقهم السياسية.

قبل سفري الى جنوب السودان بعدة أسابيع كنت قرأت كتابا بعنوان «الإسلام في دولة جنوب السودان.. الجذور والواقع والمستقبل»، على الرغم من انني وقتها لم أكن أعلم بأنني سوف أزور هذه الدولة التي قضيت فيها طفولتي المبكرة بمدينة ملكال وتعلمت آنذاك بعضا من لغات أهلها من قبيلة «الشلك» وكذاك جيرانهم «النوير».

أوضاع مطمئنة

أما أوضاع المسلمين في جنوب السودان فهي عموما مطمئنة حتى الآن. اذ إن الإسلام في الدولة الوليدة قديم قدم السودان نفسه والمواطن الجنوبي مثل أخيه الشمالي متسامح إزاء الدين فتجد في البيت الواحد من هو مسلم ومن هو مسيحي ومن هو لا ديني. حتى أحد أبناء رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت ويدعى جون اعتنق الإسلام في الخرطوم وسط تهليلات وتكبيرات عمت أرجاء المسجد الكبير بالخرطوم قبل تنصيب والده رئيسا للدولة الوليدة بيوم واحد.

وقال بعد أن غير اسمه إلى محمد: «لقد أسلمت لأني أريد الجنة، وسأذهب إلى الجنوب وأعمل على نشر الإسلام هناك مع إخوتي المسلمين»، داعيا والده أيضا إلى الإسلام. وكان من المفارقات العجيبة في تلك الفترة نفسها ان الأخت غير الشقيقة للرئيس سلفاكير، وتدعى دار السلام، احتفلت بزفافها إلى أحد أعيان قبيلة البطاحين في شمال السودان وهي قبيلة عربية خالصة .

وقال لي نائب رئيس جنوب السودان رياك مشار، وهو مسيحي ملتزم يحمل معه الكتاب المقدس في كل سفراته ولكنه أيضا يعرف الكثير عن الإسلام ويحفظ آيات من القرآن الكريم، إن المسلمين الشماليين في السودان الموحد سابقا لو كانوا تركوا أمر الدعوة الإسلامية في الجنوب للجنوبيين أنفسهم لكان الإسلام انتشر في كل أصقاع الجنوب ولكنهم ربطوها بالعربية وبالشمال نفسه رغم ان الإسلام هو دين لكل الأمم. وهو يرى أن الإنسان المتدين سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا هو إنسان تكون له قيم وأخلاق ومبادئ تجعله بلا شك أفضل من غيره.

ممثل وحيد

ورغم أن المجلس الإسلامي لجنوب السودان هو الجهة الوحيدة المعترف بها بواسطة حكومة جنوب السودان في القيام بكل ما يخص شأن مسلمي الجنوب والمظلة الشرعية الوحيدة لجميع مسلمي الجنوب والممثل الوحيد لمسلمي الجنوب أمام جميع أجهزة الحكومة بجنوب السودان وخارجه والجهة الوحيدة المخولة للحديث باسم مسلمي الجنوب، إلا أن هذا المجلس يعاني من ضعف شديد سببه يكمن في الخلافات المعلنة وغير المعلنة بين قياداته كما يقول عدد من المسلمين الذين لم يرغبوا في ذكر أسمائهم خشية المزيد من الانقسام في هذا الكيان المهم.

دعم المسلمين

وأثناء خروجي من مقر وزارة الإعلام في جوبا وتجولي في المنطقة التي توجد فيها معظم الوزارات الحكومية، شاهدت أحد المبشرين في سيارة بها مكبر صوت وهو يحذر الناس من خطورة مرض الإيدز ويقول إن «المسيح حذركم من الزنا». سألت من كان بجواري، وكان في الخمسينات من عمره: «وهل هناك مَن يحمل مكبر صوت من المسلمين ليحذر كما يفعل هذا المبشر؟ ، قال: «لا أعتقد، فهم لا يجرؤون على ذلك، فمعظم الأهالي في جوبا يرتادون الكنيسة لا المساجد).

عجبت لأمر الدعوة الإسلامية في العاصمة جوبا كيف أنها تراخت وضعفت بل انكسرت لتفسح المجال لأصحاب الديانات الأخرى للعمل وحدهم في ميدان فسيح بلا منافس في دولة يقول قادتها بعدم وجود تمييز ديني، فيما المسلمون الجنوبيون لا يستطيعون حتى ترميم مساجدهم المتهالكة فضلا عن إنشاء مساجد ومدارس جديدة.

حملت مجموعة من الأسئلة حول كيفية معالجة وترتيب أوضاع المسلمين الجنوبيين في الدولة الوليدة وتوجهت بها إلى عدد من قادتهم وهم مسؤول الأوقاف والحج والعمرة في المجلس الإسلامي لجنوب السودان عبدالله دينق نيال وكان وزيرا للشؤون الدينية في السودان الموحد سابقا، وأمين الاتصال الخارجي والتعليم في المجلس موسى المك كور وهو ايضا وزير سابق أيام السودان الموحد، ونائب رئيس جماعة أنصار السنة وكذلك الأمين العام للزكاة في المجلس الإسلامي حامدين شاكرين.

وفوجئت بأنهم جميعا اتفقوا على أن الدولة لا تمنع الدعوة الإسلامية ولكنها في الوقت نفسه لا تمنح الأراضي المجانية لتشييد المساجد أو المدارس أو الأوقاف الإسلامية عليها. وناشدوا الخيرين من الأفراد والمؤسسات والمنظمات والجمعيات الإسلامية في الدول الإسلامية التواصل مع إخوانهم في الدولة الجديدة وتقويتهم اقتصاديا من خلال شراء أراضي بحر مالهم وتسجيلها كأوقاف إسلامية في الدولة لمنع أي تغول عليها من أي جهة كانت حكومية أو غير حكومية.

إشراك في السلطة

وطالبوا على صعيد آخر حكومة جنوب السودان بإشراك المسلمين في السلطة وإدارة الدولة وعدم هضم حقوقهم السياسية كون دستور الدولة العلماني منح الجميع حقوق المواطنة وحرية العقيدة دون تمييز. ولكنهم قالوا ان الدستور الحالي والمؤقت لا يضمن حقوق المسلمين وانهم لا يرون حقوقهم في الدستور المقبل «الدائم»، لأن رئيس جنوب السودان ونائبه ورئيس البرلمان والوزراء جميعهم من المسيحيين ولا يوجد تمثيل للمسلمين، معتبرين ذلك تمييزا واضحا ضد المسلمين الذين يمثلون نسبة معتبرة من شعب الجنوب السوداني.

التعليم الإسلامي

أخذني أحد الأصدقاء الى مدرسة جون قرنق، وقال انها كانت إحدى الأوقاف الإسلامية، حيث تولت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في جدة تشغيلها وصيانتها ولكنها انتزعت منها ووضع عليها اسم الزعيم الراحل للاحتماء باسمه لما له من رمزية وطنية في هذه الدولة، مشيرا الى أن قادة الدولة يعرفون ذلك تماما ويغضون الطرف عنها. ورد أمين الاتصال الخارجي والتعليم بالمجلس الإسلامي لجنوب السودان موسي المك كور بخصوص ذلك بالقول إن هناك من يختبئون وراء التاريخ النضالي لقرنق فصادروا الأوقاف الإسلامية وأقاموا عليها مدرسته التذكارية متنكرين بذلك لنضالات بعض المسلمين معه أثناء الحرب التاريخ.

وعندما سألت نائب رئيس جنوب السودان عن الاعتداء على هذا الوقف الإسلامي ومصادرته، تعهد بتسليمه إلى المجلس الإسلامي قائلاً:«نحن وجهنا كحكومة قومية الولايات بأن هذه مدرسة قرنق جزء من الأوقاف ويجب تسليمها للمجلس الإسلامي».

وأضاف مشار قائلا: «نحن ندرس في مدارسنا مادة الدين المسيحي والإسلامي، وليس لدينا أي إشكالية في ذلك. وأنا ألوم إخواننا المسلمين وأقول لهم أنتم تركتم الجامعة الإسلامية تقفل وجامعة القرآن الكريم التي كانت في مدينة ملكال وفي العاصمة جوبا وفي مدينة واو تقفل. كان المفروض أن يعملوا لها سودنة. ونقول للمجلس الإسلامي بإنهم يجب أن يؤسسوا مؤسسة تعليمية إسلامية قوية، لأن المسلم الذي يعرف دينه أفضل من غيره ليبني مثل هذه المؤسسة».

نفي مصادرة

وينفي مسؤول الأوقاف والحج والعمرة في المجلس الإسلامي عبد الله دينق نيال أن تكون حكومة الجنوب صادرت أيا من الأوقاف الإسلامية، مشيرا الى أن ما يقال عن ذلك في الصحف ووسائل الإعلام غير صحيح.

وطالب نيال حكومة بلاده بإنشاء محاكم خاصة بالأحوال الشخصية لمسلمي جنوب السودان، لافتا الى إنه لدى المسلمين في دولة السودان الجنوبي تعايش ديني بصورة كبيرة قد لا توجد في أي دولة مجاورة، وأن التعايش الديني موجود في الأسرة والقبيلة والدولة، وممارسة الشعائر الدينية في البيت الواحد من الأمور المألوفة في الجنوب.

وشاركه في الرأي أمين الاتصال الخارجي والتعليم بالمجلس الإسلامي لجنوب السودان موسي المك كور قائلاً: «أكبر مشكلة تواجهنا الآن هي عدم وجود نصوص توضح حقوقنا كمسلمين في دستور الدولة مثل قانون الأحوال الشخصية، اذ لا توجد محاكم شرعية في البلاد للفصل في قضايا الزواج والطلاق والميراث وتنظيم الأوقاف كتلك التي توجد في دول مجاورة لنا مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا وغيرها من الدول الأفريقية التي فطنت لهذا الأمر فقامت بتأسيس محاكم خاصة بها».

وأضاف كور وهو يقول بانفعال شديد: «إما أن تعترف الحكومة بأننا كمسلمين موجودين لا مستوردين من الخارج وبذا تعترف بحقوقنا، او أن تتنكر لنا، وهذا بالتأكيد سيدخل البلاد في نفق مظلم وربما مع منظمات حقوق الإنسان الدولية والتي تعترف بحقوق الأقليات الدينية، مستطردا: «سنرفع كل ذلك للرئيس ونائبه إذا أتيحت لنا فرصة مقابلتهما. فالتصالح والتعافي لا يمكن تجزئتهما فكيف أصالح الآخرين وأنا أيضا مظلوم» وأردف: « طلبنا مقابلة الرئيس سلفا كير ونائبه لعقد اجتماع موحد بيننا كجهة تمثل المسلمين وهم كحكومة لأننا لا نرى حقوقنا وأنفسنا في الدستور القائم وربما الدستور المقبل الدائم باعتباره يتم وضع القوانين من خلاله».

مطلب: العربية لغة ثانية

 

يقول مسؤول الأوقاف والحج والعمرة في المجلس الإسلامي عبد الله دينق نيال : «لا زلنا نطالب بأن تكون اللغة العربية هي الثانية في الدولة لأنها لغة قومية يتحدث بها أغلب سكان الجنوب، ونطالب بأن يتم تضمين ذلك في الدستور، كما نطالب بإنشاء محاكم للأحوال الشخصية للمسلمين، ولكن اللجنة الدستورية رفضت، فيما سنقوم بمحاججتهم بالدستور الكيني الذي يتضمن تنظيم الأحوال الشخصية للمسلمين».

اما نائب رئيس جنوب السودان رياك مشار فقال: «كان نص الدستور قبل الاستقلال يقول ان اللغة الرسمية هي الإنجليزية مع وجود لغات أخرى. وأعتقد أن هذا سيتغير لأنه في رأيي أن اللغة العربية مستوطنة في الجنوب، فإذا أردنا مخاطبة شعب علينا مخاطبتهم بالعربية، وفي الشوارع اللغة العامة هي العربية. وهذا ليس موضوعاً للجدل في صياغة الدستور، فالوضع سيتغير».

 

دعوة

 

دعا عدد من المسؤولين المسلمين في جنوب السودان دول الخليج العربي إلى تقديم المنح الدراسية للطلاب المسلمين من أبناء جنوب السودان وتدريب الدعاة الجنوبيين للعمل بين ذويهم ، مؤكدين أن جنوب السودان مكان مثالي لانتشار الإسلام بطريقة سهلة نظرا للتسامح الديني لشعب الجنوب حيث يوجد في البيت الواحد وداخل الأسرة الصغيرة من هو مسلم ومن هو مسيحي.

%35

تشير إحدى الدراسات إلى أن هناك غموضا شديدا في التوزيع النسبي للديانات المختلفة في جنوب السودان وخاصةً الإسلام والمسيحية والوثنيين، كما يطلق عليهم؛ حيث بلغت نسبة المسلمين في آخر إحصاء رسمي، تم إجراؤه منتصف الثلاثينيات على يد مجلس الكنائس العالمي برعاية الاحتلال البريطاني 18في المئة، أما المسيحيون فبلغت نسبتهم 17في المئة، واحتل الوثنيون 65 في المئة وهو نفسه التقرير الذي اعتمدت عليه الهيئات الدولية في تقريرها الرسمي عن توزيع السكان في الجنوب، بحسب العقيدة.

لكن هذه الخريطة كما تقول الدراسة شهدت تغيُّرًا خطيرًا، فطبقًا لآخر تقرير للمجلس الأعلى لتجمع المسلمين في جنوب السودان؛ فإن نسبة المسلمين قفزت إلى 35في المئة، ويساويها نسبة الوثنيين 35 في المئة ويليهم المسيحيون بنسبة 30 في المئة، وهي الإحصائيات التي أقلقت الكنائس الغربية؛ مما جعلها توعز إلى الحركة الشعبية بأن يتمسكوا بعدم تسجيل خانة الديانة في استمارات الاستفتاء المقبل على مصير الجنوب؛ حتى لا تظهر النسب الحقيقية للمسلمين. جوبا-البيان

 

4.1

 

 

أظهر تقرير أعدته منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» وبرنامج الغذاء العالمي أن مالا يقل عن 4.1 ملايين شخص في جنوب السودان معرضون لسوء التغذية هذا العام، منهم أكثر من مليون يتوقع أن يعانوا من نقص غذائي شديد بالرغم من زيادة المحصول.

وأظهر التقرير ذاته أن إنتاج الغذاء زاد بأكثر من 35 في المئة بين 2011 و 2012 بسبب هطول كميات كبيرة من الأمطار الجيدة وتحسن الممارسات الزراعية وتوسع المساحات المزروعة.

بيد أن التقرير ذكر أن هناك نحو 40 في المئة من سكان الدولة سيواجهون متاعب في الحصول على غذاء كاف في بعض الأحيان خلال العام. وحذر التقرير أيضا من أن زيادة النزاعات وعدم الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يزيد من عدد الأفراد الذين يحتاجون مساعدة غذائية بأكثر من مليون. ويعتزم برنامج الغذاء العالمي تقديم الغذاء والمساعدات الغذائية إلى ما يقرب من 2.8 مليون شخص من بينهم اسر ريفية تعاني من نقص في الأمن الغذائي وأطفال معرضون للمخاطر وأفراد مشردون داخليا ولاجئون وعائدون. جوبا-الوكالات