يواجه الجنوب سودانيون تحديين خطيرين لبناء دولتهم الوليدة وهما: الإخفاق المؤسسي، والإخفاق في بناء هوية موحدة حيث تعج هذه الدولة بخليط قبلي يتحدث بأكثر من ثلاثين لغة ولهجة فضلاً عن انقسام ديني بين المسلمين والمسيحيين وآخرين يؤمنون بديانات وثنية متعددة، حيث تبحث عن تقوية علاقتها بدول مجلس التعاون الخليجي من أجل الاستفادة من خبرات هذه الدول والحصول على دعم منها من خلال جذب الاستثمارات الخليجية إلى جنوب السودان وهو ما يساعدها في بناء اقتصادها الذي يعاني هو الآخر.

يمتلك نائب رئيس جنوب السودان رياك مشار قدرات قيادية ستمكنه، إن سنحت له الظروف، من بناء دولة قوية في هذا الجزء من أفريقيا، إذا ما استطاع قادة الدولة العمل معاً في تناغم وانسجام وتغلبوا على الصراعات القبلية التي يبدو أنها ستعيق انطلاقة الدولة، وهو الذي قاد حروبا طويلة إلى جانب القائد الجنوبي الراحل د. جون قرنق ليحقق لشعب جنوب السودان الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية.

توطيد العلاقات

قابلته لأكثر من نصف ساعة ولكنني لم أجر معه حوارا صحافيا، بل حدثني عن التحديات التي تواجه بناء الدولة الوليدة وأهمية أن تقف معها دول مجلس التعاون الخليجي في هذه المرحلة التاريخية الأهم في عمر الدولة الأحدث على الخريطة الدولية.

وقال مشار ان بلاده بحاجة إلى توطيد علاقاتها مع دول الخليج واستقطاب الاستثمارات الخليجية لاستخراج الخيرات الزراعية والنفطية والمعدنية والغابية والسمكية التي تذخر بها جنوب السودان بما يحقق الأمن الغذائي للطرفين.

تحديان خطيران

وتواجه عملية بناء الدولة في جنوب السودان تحديين خطيرين: الإخفاق المؤسسي، والإخفاق في بناء هوية موحدة، حيث ظلت قدرة الحركة الشعبية والجيش الشعبي على قيادة عملية البناء السياسي والإداري محل شك، خاصة أن المنطقة تفتقد الحد الأدنى من البنية التحتية، والكوادر القادرة على قيادة وتنفيذ عملية إعادة الإعمار.

ولذلك، فهناك مخاوف من أن يصبح جنوب السودان دولة فاشلة جديدة في شرق إفريقيا.

تعود هذه المخاوف بشكل كبير إلى الملاحظات التي أبدتها المنظمات الدولية المنخرطة في عملية بناء الدولة ومؤسساتها في جنوب السودان.

ففي تقرير صادر في يونيو 2010 عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، تم الإقرار بأن «جهود تطوير المهارات في جنوب السودان تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية»، وأنه مع «قليل من الاستثناءات، لن تكون هذه الجهود ناجحة». أحد المصادر الأخرى للقلق هو الفساد المستشري، ما دفع حكومة الجنوب إلى أن تنشئ مفوضية جنوب السودان لمكافحة الفساد في 2006، أي في بدايات المرحلة الانتقالية.

أمراء الحرب

كما تواجه دولة جنوب السودان مجموعة من التحديات الأمنية المعقدة والمتشابكة تجعل السلام الداخلي صعب المنال. أول هذه العوامل هم أمراء الحرب، حيث يرى الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات إدوارد لينو أن أمراء الحرب هم أكبر المشاكل على الإطلاق.

وهناك عوامل أخرى مثل العنف والقتال الرعوي الذي يعززه الغياب شبه الدائم والكامل للدولة ومؤسساتها من المجتمعات الرعوية التي تعودت على حماية نفسها بنفسها واسترجاع أملاكها دون اللجوء إلي أي كيان حكومي.

يؤثر في الأمن أيضا نوع آخر من النزاعات غالبا ما يعقد الأمور، وهو العنف القبلي. يدخل العنف القبلي في مختلف المعادلات، سواء كانت سياسية أو اقتصادية رعوية أو تجارية أو غيرها. ورصدت أشكال مختلفة لهذا العنف. فهو تارة بين أفرع القبيلة الواحدة، وتارة أخرى بين القبائل بعضها بعضا، بل وأحيانا يمتد بين جنود الجيش الشعبي أنفسهم.

«كونجو كونجو»

يقع سوق «كونجو كونجو» في جنوب العاصمة جوبا، ويعد أكبر سوق للمواد الغذائية في جنوب السودان رغم معاناته هذه الأيام من تداعيات الحريق الهائل الذي دمر نحو 600 محل تجاري بالكامل نتيجة التماس كهربائي وتسبب في خسائر قدرت بملايين الدولارات، إلا انه لا يزال يعج بآلاف الصوماليين والشباب من شرق أفريقيا.

وكلمة «كونجو كونجو» تنطق بتخفيف الجيم حيث تصبح أقرب إلى الياء. وهي تعني في لغة الباريا: «ماذا وماذا»، لكنها في هذا السياق تعني «كل شيء» وهو بالفعل سوق تجد فيه كل شيء.وتمثل أسواق مدينة جوبا عموما ملتقى للعديد من الجنسيات وخاصة الأفريقية منها، حيث توجد أعداد كبيرة من الصوماليين والأثيوبيين والإريتريين والأوغنديين إلى جانب القليل من السودانيين الشماليين .

وفي المدينة عدة أسواق أبرزها «سوق جوبا الكبير» الذي نشأ في ثلاثينات القرن الماضي، بحسب بعض التجار، وتتم فيه أغلب الأنشطة التجارية بالجملة. ثم «سوق الملكية» الذي أنشئ في خمسينات القرن الماضي، و«سوق كونجو كونجو» المعروف بالبيع بالتجزئة إلى جانب أسواق شعبية كسوق «كسطم» وسوق «الجبل».

ويعج جنوب السودان بخليط قبلي يتحدث بأكثر من ثلاثين لغة ولهجة فضلاً عن انقسام ديني بين المسلمين والمسيحيين وآخرين يؤمنون بديانات وثنية متعددة. أما أشهر تلك القبائل فهي الدينكا، وهي أكبرها عدداً، والنوير والشلك، إلى جانب تجمعات قبلية أصغر كالمادي والمورو والأنواك والأشولي والباري.

وكل هؤلاء لا تجمعهم هوية بذاتها. وبالتالي، لا يمكن أن ينضووا تحت راية واحدة اللهم إلا راية الدولة الجديدة «جمهورية جنوب السودان». ولعل هذا التنوع العرقي واللغوي والديني كان سبباً في زعزعة استقرار السودان الحديث الذي أخذ استقلاله عن الحكم البريطاني المصري المشترك العام 1956. وترافق ذلك مع تباين تاريخي واضح في توزيع الثروة والسلطة والمناصب.

غلاء وجوع

وتبدو الحياة في جنوب السودان قاسية وصعبة للغاية بسبب ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل السكر والزيت والوقود والبيض والدجاج، حيث قفز معدل التضخم إلى 35 في المئة في يناير الماضي مع ارتفاع كبير في أسعار الغذاء، فيما يبلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازي أربعة جنيهات وهو ما يعادل قيمة قارورة مياه متوسطة، فيما تبلغ أسعار الغرف في الفنادق المتوسطة ما بين 150 إلى 200 دولار.

وصنفت اللجنة الدولية للاستشارات والإدارة مدينة جوبا في المرتبة الرابعة عشرة ضمن قائمة أكثر عواصم العالم غلاء من حيث كلفة المعيشة وأسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الصحية والتعليمية.

ولكن الأخطر من ذلك هو ما أعلنته الأمم المتحدة مؤخرا من أن أكثر من أربعة ملايين نسمة في جنوب السودان، يمثلون ثلث سكان البلاد، قد يواجهون الجوع بشكل ما في العام 2013، رغم زيادة المحصول في العام الماضي، حيث قالت منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة، وبرنامج الغذاء العالمي في تقرير إن العجز في الحبوب سيبلغ 371 ألف طن، وهو ما يزيد قليلا عن ثلث إجمالي احتياجات البلاد من الحبوب، على الرغم من زيادة الإنتاج بفضل الأمطار الجيدة وزيادة المساحة المزروعة.

ويقول فايز أكيج، وهو مصور في التلفزيون الحكومي، إن معظم سكان الجنوب يعتمدون في حياتهم المعيشية على المنتجات الغذائية التي يزرعونها إما في مزارعهم أو حتى في داخل بيوتهم ، فيما يعتمد سكان جوبا على ما يرسله لهم أقرباؤهم من محاصيل زراعية، مشيرا إلى أن أغلب سكان جنوب السودان ريفيون يعتمدون في عيشهم على الزراعة وتربية الحيوانات.

فيما يرى جيمس مجوك، وهو تاجر في سوق جوبا، أن تكلفة نقل السلع والبضائع غالية جدا نظراً لارتفاع أسعار الوقود ولوعورة الطرق وغياب الأمن فيها أحيانا، إضافة إلى طولها؛ حيث يستغرق وصول حاوية البضائع من ميناء مومباسا في كينيا إلى جوبا مرورا بالأراضي الأوغندية ما بين ثمانية إلى عشرة أيام، وهو ما أوجد صعوبة بالغة في إمكانية حصول الجنوب سودانيين على احتياجاتهم.

ومع بداية تدفق نفط جنوب السودان، شهدت البلاد موجة مهاجرين من آلاف التجار والعمال الأجانب خاصة من كينيا وأوغندا والصومال ومصر وإثيوبيا وأريتريا.

ولكن ما أن أوقف جنوب السودان تصدير النفط عبر الشمال، حتى تعرضت حركة التجارة والاقتصاد إلى شلل كامل وارتفاع جنوني في تكلفة المعيشة اليومية للمواطن العادي، فهرب كل هؤلاء عائدين الى بلدانهم، ولم يصمد منهم إلا الصوماليين الذين باتوا يسيطرون سيطرة كاملة على النشاط التجاري في جنوب السودان، خاصة تجارة الجملة.

 

700000

جمهورية جنوب السودان، تقع في شرق أفريقيا، وتعتبر جوبا عاصمتها وأكبر مدنها، ومن أكبر مدنها أيضا، واو وملكال ورومبيك وأويل وياي. تأسست الدولة عندما انفصلت عن باقي السودان في استفتاء شعبي لسكان الجنوب أعلن عن نتائجه النهائية في فبراير 2011، وتم الإعلان عن استقلال كامل للدولة في 9 يوليو 2011.

تبلغ مساحة جنوب السودان نحو 700 ألف كيلومتر مربع، وهو بلد غني بغاباته المطيرة وبمناطق السافانا، والمصادر المائية خاصة نهر النيل الذي يسترزق منه كثير من السكان وبمراعيه التي تشكل نحو 40 في المئة من المساحة لكن هذه المساحة الشاسعة لا يسكنها إلا نحو تسعة ملايين شخص، يتوزعون إدارياً على عشر ولايات هي: أعالي النيل وجونغلي والوحدة والبحيرات وواراب وشمال بحر الغزال وغرب بحر الغزال وشرق الاستوائية أو إقليم الاستوائية سابقاً وغرب الاستوائية ومحافظة بحر الجبل حيث العاصمة جوبا.

ويتقاسم البلاد حدوداً طولها أكثر من 4500 كيلومتر مع ست دول هي: السودان وإثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وأفريقيا الوسطى.

 

29

تضم حكومة جنوب السودان 29 حقيبة وزارية، ومن أبرز الأسماء فيها دينق ألور وزيراً لشؤون مجلس الوزراء، ونيال دينق للخارجية، وكوستا مانيبي للمالية، وإجنس لوكودو للنقل والمواصلات، وتستحوذ عناصر الحركة الشعبية على غالبية الوزارات، رغم مشاركة القوى السياسية الأخرى، وبينها المؤتمر الوطني الذي نال وزارة النقل والمواصلات التي تقلدتها إجنس لوكودو.

 

13

أشارت آخر التقارير الاقتصادية التي نقلها موقع المكتب الوطني للإحصاء لدولة جنوب السودان أن إجمالي الناتج المحلي بلغ 13 ملياراً من الدولارات في العام 2010؛ ما يفوق الناتج المحلي لدول عديدة منها: آيسلندا، والسنغال، ودولتي الكونغو، وألبانيا، وناميبيا، وكمبوديا، وموزمبيق، ومالي، وتشاد، والنيجر، وزيمبابوي، وملاوي، وموريتانيا، وأريتريا، وافريقيا الوسطى، وجيبوتي، وليبيريا.. بالمقابل كان الناتج المحلي لدولة السودان الموحدة 67 ملياراً دولار لنفس العام.

وقدر متوسط الناتج الفردي في جنوب السودان بـ 1546 دولارا في العام ذاته ما يعد أعلى متوسط في شرق أفريقيا: كينيا (769 دولارا)، رواندا (548 دولارا)، تنزانيا (527)، أوغندا (503)، أثيوبيا (350)، بوروندي (189) في حين يبلغ متوسط الناتج الفردي في السودان الذي كان موحداً 1425 دولاراً.

وبسبب تقاسم عوائد النفط مع الشمال يقل متوسط الدخل عن متوسط الناتج حيث يبلغ متوسط دخل الفرد في دولة الجنوب 984 دولارا في السنة.. ومن محاسن ذلك أنه يفتح الباب لدولة الجنوب للحصول على تسهيلات ائتمانية ومساعدات ميسرة حيث أن متوسط الدخل الفردي لدولة الجنوب يقل عن السقف الذي تحدده مؤسسات التمويل الدولية لتقديم تلك المساعدات والبالغ 1165 دولارا.

 

دعم إماراتي

نقل مراسل «البيان» رسالة إلى نائب رئيس جنوب السودان رياك مشار من مدير عام صندوق أبوظبي للتنمية محمد سيف السويدي مع مسودة مذكرة تفاهم لمنحة تقدر بنحو 10 ملايين دولار عبارة عن مدارس ومراكز طبية مقدمة من حكومة الإمارات، كأول دولة عربية وخليجية تبادر إلى مساعدة شعب جنوب السودان بعد الاستقلال.

 

كتاب «رؤيتي»

حمل مراسل «البيان» معه هدية لنائب رئيس جنوب السودان رياك مشار عبارة عن كتاب «رؤيتي ،التحديات في سباق التميز» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والذي يوثق للتجربة التنموية التي تقوم على تحقيق الامتياز والانتقال بدولة الإمارات وإمارة دبي خصوصاً من دورهما كمركز اقتصادي إقليمي، إلى مركز اقتصادي عالمي، مع التركيز على قطاعات الخدمات المتميزة والسياحة واقتصاد الفكر والمعرفة، والطاقة البشرية المبدعة. وفرح مشار بهذا الكتاب واعتبره أعظم هدية قدمت إليه.

 

 

غداً

الحلقة الرابعة مسلمو جنوب السودان يطالبون بإشراكهم

في السلطة